شعار قسم مدونات

الجزية في مقياس العدل

مدونات - ترمب
تعد الجزية من أقدم مصطلحات الإسلامية تداولا في تنظيم العلاقات المسلمين مع غير المسلمين، ولا يختلف علماء الأمة على تعريف الجزية، حيث يوجد شبه إجماع ونذكر تعرف الدكتور راغب السرجاني للجزية فيقول: هي ضريبة يدفعها أهلُ الكتاب بصفة عامة -ويدفعها المجوس في آراء أغلب الفقهاء، والمشركون في رأي بعضهم- نظير أن يُدافع عنهم المسلمون، وإن فشل المسلمون في الدفاع عنهم تُرَدُّ إليهم جزيتُهم، وقد تكرَّر هذا في التاريخ الإسلامي كثيرًا.

من التعريف نصل إلى شروط واضحة للجزية:
أولها: على من تستحق؟ وتبين من التعريف أنها تؤخذ من أهل الكتاب فقط، وأجيز أخذها من المجوس، لأنهم دين أصحاب كاتب شبه سماوي، مع الاختلاف على ذلك.
ثانياً: لماذا تدفع؟ تدفع الجزية نظير حماية من الغزو الخارجي والاعتداء الداخلي، فإذا ما قصر المسلمون في الحماية وجب عليهم رد المال إلى من اخذ منهم، وترك لهم حرية حكم أنفسهم واختيار من يحكمهم.

الدول العربية والإسلامية بشكل عام تعاني من خروجها من تحت حكم المستعمر على مختلف مصادرة، ونيلها الاستقلال من الاحتلال المباشر وتحولها إلى الاحتلال بالوكالة.

ومن الأمور التي لم يذكرها التعريف ، أن قيمة الجزية اقل من الزكاة، كما أن الأطفال والنساء وكبار السن لا زكاة عليهم، والفقير وذو حاجة تسقط عنه الجزية، بل يصرف له من بيت المال المسلمين.

انطلقت الجزية كمفهوم سياسي، ترسم طبيعة لعلاقة التنظيمية بين المسلمين وغير المسلمين، في مناطق الحكم الإسلامي، وسرعان ما بدأت الدول الغير إسلامية تحذو على هذا المنهج، وبدأت تطلب الجزية من المسلمين تحت حكمهم بدل الضرائب القديمة، فأصبحت نهج حياة ساعد على القضاء على الرق والعبودية مع الزمن.

ومع تطور الحياة وظهور الدولة الحديثة وظهور مصطلح المواطنة وحق المواطنة، واكتساب الفرد حق المشاركة السياسية ترشحا وانتخابا، والانخراط الجميع في الدفاع عن حدود الوطن وأصبح تنظم العلاقات الداخلية بين المواطنين تقام على حق المواطنة والمشاركة سقطت الجزية، وهذا لا يخالف الإسلام أو مبادئه، فما دمت تشارك في بناء الوطن وتدافع عنه على اختلاف معتقدك، فحق لك أن لا تدفع مال من أجل حمايتك.

عصر المواطنة الحديثة أوجد العديد من القوانين والأنظمة جديدة لتعامل، قائم على أساس المساواة بين أفراد الوطن، وغيب مفهوم الراعي والرعية، إلا أن الدول العربية والإسلامية بشكل عام تعاني من خروجها من تحت حكم المستعمر على مختلف مصادرة، ونيلها الاستقلال من الاحتلال المباشر وتحولها إلى الاحتلال بالوكالة، ومع غيب مفهوم الدولة الحقيقي في الدول العربية، واستغلال مفهوم المواطنة لسحق الأغلبية بحجة حقوق الأقليات، وتضيع حقوق الأقليات بحجة السلم الأهلي، وادعاء أن هذا هو الممكن في ظل الظروف المتوفرة، فمع غياب العدل يغيب الأمان، ومع ضياع الحقوق تنتشر الجريمة.

الدول العربية اختارت أكثر منفعة لطبقات الحاكمة غير مراعية أثره على المواطنين، هو العودة إلى الاحتلال من جديد ليكون احتلال تحت الطلب، احتلال مدفوع التكاليف.

مع انتشار الظلم والاضطهاد السياسي ظهر مجموعات تسعى إلى إسقاط هذه الحكومات، ومنها من حمل السلاح مثل القاعدة وداعش، منها من استنصر بدول خارجية مثل نصارى جنوب لبنان، عندما توجه إلى المحتل الإسرائيلي ليحميهم من الاقتتال الداخلي في لبنان بدايات 1982، وكما تفعل الآن كل من شيعة العراق، وشيعة الخليج العربي بشكل عام، حيث أصبح وجهتهم إلى إيران التي تتفق معهم في المعتقد الديني، وإذا اختلفت معهم في الأصل واللغة، فربما تجد عندهم الدعم النصر والعدل المفقود، ربما وجدت عندهم المساواة والحرية والمواطنة المنسية.

نعم انتبهت العديد من الدول العربية إلى خطر الإيراني ومدى اتساعه، وأصبح لا بد من أجاد الحلول من اجل القضاء على هذه الخطر القادم من الشرق مطلبا ملحا، وهنا كان لا بد حماية داخلية وخارجية، تقوم الحماية الداخلية على إرساء العدل وتنفيذ القانون ومساواة بين المواطنين، والخارجية بتكوين تحالفات عربية وإسلامية حقيقية تسعى إلى خلق كيان اقتصادي، وسياسي وعسكري يستطيع أن يحقق للمواطنين الحياة الكريمة، والمساواة بين أفراد المجتمع على مختلف دياناتهم.

إلا أن الدول العربية اختارت أكثر منفعة لطبقات الحاكمة غير مراعية أثره على المواطنين، هو العودة إلى الاحتلال من جديد ليكون احتلال تحت الطلب، احتلال مدفوع التكاليف، فعندما أطل ترمب في حملته الانتخابية للوصول إلى البيت الأبيض، قال بوضوح نحن سبب بقائكم وستدفعون لنا الأموال من أجل حمايتكم، واليوم يزور ترمب دول الخليج من اجل توقيع صفقات أسلحة وحماية بمئات المليارات، لتكون أكبر جزية تدفع بالتاريخ، ويدفعها المسلمون من أجل حماية إلى غير المسلمون، فعندما يضيع العدل تضعف الدول وتصبح فرصة لطامعين، وبين الاحتلال المباشر والاحتلال بالوكالة، يصبح الاحتلال تحت الطلب هدف وغاية ويدفع من أجله المال.