شعار قسم مدونات

الثورة في سوريا.. الجماهير معقل المشكلة وركيزة الحل

blogs - حرب سوريا
"تبقى الجماهير خاملة ساكنة لا تتحرك حتى تتعرض لتحديات قاسية خارجة عن المألوف فإذا استطاعت إيجاد وسائل تجاوز هذه التحديات فقد عرفت وجهتها الصحيحة، فإن عملت بها فهي أمام بوابة صناعة الحضارة"، بهذه الكلمات لخص أرنولد توينبي نظريته التحدي والاستجابة في كتابه الحضارة، فالتاريخ لم يسطر قديمه أو حديثه ولا حتى المعاصر منه أي حضارة قائمة بأركانها الأربعة إلا وقد سبقها تحد أخرج الجماهير عن سكونها ووجه دفة الإنتاجية الفكرية والعضلية والبنيوية لديها لتجاوز المحنة، لتغدو بعدها مستعدة لاستلام دفة المركب وقيادة المجتمع في طريق التطور والحضارة.

واليوم وبعد دخول الثورة عامها السابع في سوريا والتي تعتبر من أكبر التحديات الخلاقة التي تعرض لها الشعب السوري، ترى وعلى عكس ما يجب أن الجماهير لا تزال تدور ضمن حلقة مفرغة مقتادة خلف وسائل لا تصلح لمواجهة هذا التحدي، مؤدية بها في كل مرة إلى نتائج أقرب ما يمكننا أن نقول عنها إنها بعيدة عن إسقاط النظام.

وكلما أخرجت الثورة قدماً، غاصت الأخرى في مستنقع من الإيديولوجية المتضاربة، ألا وإن الدوامة الطويلة من التجارب الفاشلة قد أجبرت جزءاً من الحاضنة الجماهيرية للتخلي عن الثورة رافعة راية بيضاء لإنهائها بدون شروط، وأرجأت فئة أخرى إلى أقصى الجهة المعاكسة لترفع راية الخلافة فوق سقف العالم كله، وهي لا تحمل بين أيدي مقاتليها القلائل سوى بنادق لا تزال تصنع ذخائرها في بلاد فوق معاملها ترفرف راية الصليب، وتسيطر على مساحة ضيقة يشاركها العيش فيها خزان بشري يقتات على عنفة حياة يمكن أن تغلق بقرار فيموتوا، وتفتح بقرار فتكتب لهم الحياة.

وآخرون تعبت نفوسهم فغادروا البلاد، وثلة أخرى فقدت الأمل فولت ظهرها لكل ما يجري والتفتت للقمة عيشها وقليل من القليل لا يزال يبحث ويجد ويجتهد عله يخرج الأمة من الأزمة، وبين هؤلاء وأولئك يصعد من بين الجموع بين الفينة والأخرى من يركب موجة الجماهير التائهة ليسوقها إلى هاوية يراها بعينيه جنة وارفة الظلال..

الجماهير  تبقى الحجر الأساس الذي يعمد إليه الجميع، فلا يمكن لأي مشروع أن يستكمل دون إذنها، فلا استعمار يستوطن ولا نظام يسترد شرعيته ولا حتى الثورة نفسها يمكنها أن تبلغ منتهاها دون الجماهير.

وتضيع الجماهير هنا وهناك وتخرج عن فطرتها لتتبع هذا الخطاب الناري وذاك، وتضعف الثورة بانقسام الجماهير ويضيع الهدف ويتوه الناس وتشوب الثورة فوضى عارمة تنتهي بانتكاستها مرة تلو أخرى ليحاول أحدهم من جديد أن يجد الطريق الصحيح ويبحث عن وسيلة يوصل به الثورة بعيداً عن الهاوية إلى بر الأمان، معتمداً على الحجج والبراهين ليبين صحة قوله وصواب فكره، ويصيح بالجماهير فلا تلتفت إليه! فما الذي يجري؟ 
 

لا يمكننا أن نطلق على أي ثورة أنها ثورة منظمة، لأن من يقود الثورات إنما هي الجماهير ومحال أن توصف الجماهير بأنها منظمة، لأنها إن كانت كذلك لما استطاعت أن تقوم بثورة، فالجماهير هي تلك الجموع التي لا يمكن لها أن تكون واعية، ولو ملأ صفوفها المثقفون ولا يمكن أن تكون حكيمة وعقلانية ولو اجتمع بها الحكماء، ولا يمكن أن تكون مرنة ولا دبلوماسية ولا سياسية لا لشيء إلا لأن تفكيرها قائم على العقل الجمعي، ونفسيتها هي نفسية الجموع، وعاطفتها هي عاطفة الأنثى كما يطلق عليها غوستاف لوبون، فهي تتحول تحولاً جذرياً وتتغير كل مفرداتها عندما تعمد إلى المطالبة بشيء ما، فحتى أفرادها تتغير طريقة تفكيرهم، فلا يغدو العالم عالماً ولا الطبيب طبيباً، ويتساوى الجميع بمستوى القدرة على المعالجة العقلانية لما يجري..

فالجماهير عاطفية لا عقلانية سريعة الانفعال تثور بسرعة وتهدأ بسرعة شديدة التطرف لا وسطية لديها، فإذا أحبت قدست وإذا كرهت احتقرت، تميل إلى البساطة فتصدق أي شيء حتى الإشاعات، ولا تفقه لغة التعقيد والحجج والبراهين، قد تثور لصورة مفجعة أو قصة محزنة ويمكن لخطاب ناري أن يشعلها.. لا تفقه لغة الخطط والأهداف شديدة التعصب مستبدة لا تناقش فيما تعتقد أبداً وهي بالمقابل أقوى من أي قوة في الساحة، فلا تتحمل مسؤولية أفعالها ونتائج ثورانها، لا تدفع ضريبته من جعبتها.

وهنا يمكنك تفسير الكثير من الظواهر، فلن تستغرب عندما ترى داعية، لا يفقه من العلم شيئاً جاء من بلاد بعيدة يلبس عباءة، وقد التف حوله الآلاف لجمال حديثه وحمية خطابه، بينما تجد عالماً امتلأت خزينة عقله فكراً وعلماً وخططاً تجده لا يتعدى كونه كتاباً وضع على الرف يقتنيه بعض من يطلب شيئاً من اختصاص علمه.. وهنا أقول إن الجماهير إذ تتصف بكل ما سبق من صفات إلا أنها تبقى الحجر الأساس الذي يعمد إليه الجميع، فلا يمكن لأي مشروع أن يستكمل دون إذنها، فلا استعمار يستوطن ولا نظام يسترد شرعيته ولا حتى الثورة نفسها يمكنها أن تبلغ منتهاها دون الجماهير فمفتاح العودة لجادة الصواب إنما يدار في هذه الجموع الغفيرة الممتدة..

يبدأ من هذا الخزان البشري ذي الطاقات الجبارة والذي ينتظر طوق النجاة ليتعلق به ألا وإن تغيير الواقع يبدأ من جوهره وجوهر التغيير إنما هو عالم الأفكار وحتى يحدث التغيير الحقيقي وتخرج الأمة من تلك المتاهة فلا بد من عوامل ثلاثة:

كلما وصلت الجماهير لحد فقدت فيه الأمل، جاء صاحب الفكرة ليشحذ عزيمتها بخطاب عاطفي عن صبر الصحابة وعظم المؤامرة بقياس خاطئ لا يمكن للجماهير أن تتبناه، غير آبه ولا ملتفت إلى سعة الهوة بين الهدف والإمكانات.

الأول: أن يكون هناك فكرة مبنية على رؤية محفزة ليتفاعل معها الناس واضحة المعالم والأهداف بسيطة يمكن الاقتناع بها واقعية يمكن تحقيقها.
الثاني: أن تكون الفكرة نابعة من صميم حاجة الناس قائمة على أساس خدمتهم وخلاصهم، لا خدمة مشروع فئة صغيرة تسوق الناس أمامها لتحقيقه.
الثالث: أن تحمل هذه الفكرة جماعة تؤمن بها بقوة وتكون ظاهرة للعيان تحتك بالناس وتتحمل في سبيل نشرها الصعاب حتى يجتمع الناس عليها وينطلقوا في تحقيقها باحثين عن أسهل الطرق وأفضل الوسائل بلا جمود ولا استسلام.

لأن توقف الجماهير عن محاولة البحث عن وسائل مناسبة لتحقيق الفكرة يؤدي إلى فشلها وإصرارها على تحقيق الفكرة بوسائل ثبت خطأها أيضاً يؤدي إلى فشلها، والأخطر من هذا وذاك أن تتحول وسيلة ثبت فشلها إلى نظرية مقدسة كما يجري الآن، فيتعلق بها بعضهم لارتباطها بدينهم ويصبرون في الثبات عليها، وذلك رغم الفشل المتكرر الذي تجده يتعاظم كلما زاد التمسك بها، وكلما وصل هؤلاء لحد فقدوا فيه الأمل في نجاحها، جاء صاحب الفكرة ليشحذ عزيمتهم بخطاب عاطفي عن صبر الصحابة في سبيل دعوتهم وعظم المؤامرة عليهم بقياس خاطئ لا يمكن للجماهير أن تتبناه، غير آبه ولا ملتفت إلى سعة الهوة بين الهدف والإمكانات ولا إلى حجم المأساة التي خلفتها وسائله نتيجة استعجاله بحصاد ثمار الثورة، والعدو لا يزال خلف الحائط محملا الثورة عبئا لا تطيقه..

وعلى ذلك، فإن الجماهير ستبقى تائهة مشتتة يزيد انقسامها كلما خرج إليها بطل جديد بفكر تنويري وخطة بديلة حيكت خيوطها في غرف صغيرة ودوائر مغلقة ليسوقها أمامه لا خلفه لهاوية يعتبرها الطريق الآمن لإنجاح الثورة، إلى أن يأتي من يعي الجماهير ويسمع مآسيهم ويعرف حاجاتهم وينطلق بفكرته من رحم معاناتهم ليقودهم لا ليسوقهم فتجدهم حينها سائرين خلفه جميعاً بصف واحد ولو ذهب بهم إلى الموت.. لا لأجله سيموتون وإنما لأجل أنفسهم، فإنما خرجوا لتحقيق فكرتهم التي آمنوا بها.