هم الأحرار ونحن الأسرى

اتخذ الأسرى قرارهم المقاوم من داخل زنازينهم المعتمة لإثبات أنهم قادرون على محاكاة الحرية من خلف القضبان فمنذ حوالي الشهر افتتحوا ثورتهم بكأس ماء مرصع بالملح ليسجلوا مشهداً جديداً في تاريخ النضال العالمي أو ربما صورة ثورية بالغة التفاصيل ودقيقة الاحتراف عن تاريخ شعب لم تنحن له هامةً على مدار 69 عاماً المنصرمة يبتكر فيها هذا الشعب طرقاً جديدةً في إحداث غليان في تضاريس الكرة الارضية ليلتفت العالم بأحراره إلى القضية الأقدم والأحدث في تاريخ قضايا الإنسانية بأسرها. 
 
بكأس ماء محلى بملح الإرادة قرعوا نخب الكرامة يتواصل ليلهم بنارهم بأمعاء خاوية ثملين بالحرية المنشودة يعلمون الإنسانية درساً جديداً في البقاء. أكثر من ثلاثة وثلاثين يوماً لا يزال فعل الأسير يواصل أشغاله الكنعانية يحرض حجارة التاريخ على القيامة والسير في درب الألم بين خاصرتي الجسد محدثاً انقلاباً جغرافياً ربما يعيد للحضارة قصة بدايتها.

بعيداً عن هذا الجدل التاريخي لعناقات الأرض لجذورها وامتدادات السرمد في رذاذ الملح وتقاسيم الحجر تتساءل الأرض كيف استطاع الأسرى أن يصنعوا من ضعفهم قوة ومن ظلمة الزنزانة شمساً للأمل قطعوا آخر ما تبقى لهم من طعام وشراب كي يبقوا على قيد الكرامة أتراهم احرار ونحن الأسرى.

قيودهم تحولت لسلاح شهروه بوجه الجلاد ليعلنوا كلمة الثورة من جديد وفي الضفة الأخرى هياكل على هيئة تنظيمات أشبه بنائحات القبور تجيد اللطم والعويل على فض كرامتها السياسية وبيديها كل مفاتيح الأرض والغضب منظمات لم تجد طوال فترة الإضراب وإلى الآن سوى البكاء وذرف الدموع والندب على ليل طالت تغريبته أتراهم يستخفون بجراح الشعب أم يتهكمون على حزنه؟

أمام قوة الضعف الكامن في جسد الأسرى وطاقتهم المشتعلة من ليل الزنازين وعجز السلطة والفصائل الفلسطينية عن مساندتهم يبقى الحل الوحيد هو إسقاط السلطة والفصائل كونها شريكة بقتل واحتلال الفلسطيني.

يراود السؤال نفسه بكل شفافية ومنطق ماذا على الفصائل الفلسطينية والمنظمة والسلطة أن تفعل إزاء نصرة الحركة الأسيرة ونصرة قضايا الشعب الفلسطيني بمجمله وعلى امتداده الجغرافي في فيافي الأرض.

إن عمليةً بطوليةً أو اثنتين قادرة على وضع شروط الأسرى على قائمة الحرية هذا أصعب الإيمان وأبعده وربما استحالته فمنذ دخلت التنظيمات معترك الحل السلمي وحلبة الوزارات وتشكيل الحكومات باتت تراعي مصالح استثماراتها أكثر من مراعاتها لما خلقت من أجله وهو النصر والتحرير والاستقلال
ليس بإمكانها عسكرة الحل بعد أن وقعت قيادة المنظمة بما فيها الفصائل على سلمية المقاومة ولا عنفيتها تماشياً مع دبلوماسية الحل والصورة اللامعة على شاشات التلفزة فالعسكرة إرهاب من وجهة نظر القيادة الفلسطينية وفصائل المنظمة.

فإذا كان ليس بالإمكان عسكرة المواجهة فصائلياً مع الاحتلال ربما سيطرح الاحتمال الثاني نفسه بكل جدارة ألا وهو أن تقطع سلطة أوسلو علاقتها بالكيان بما في ذلك التنسيق الأمني وتصدر إضراب الأسرى إلى الساحة الرسمية الفلسطينية كنوع من الإضراب السياسي أو بلغة نساء الشام "الحردة" يعني أضعف الإيمان أن تحرد سلطة رام الله من بعلها في تل أبيب إلى حين الاستجابة لمطالبها باعتبار أن هذه السلطة وفصائلها أشبه بالنساء النائحات.

ولكنها لن تستطيع أن تخرج عن طاعة سيدها، فمن المعيب أن تهون عليها العشرة طوال أكثر من ثلاثة وعشرين سنة ولم تخرج عن طاعة سي السيد المقيم في تل أبيب تهون عليها عرضها وأرضها وأهلها ولا يهون عليها تدنيس التنسيق المقدس هكذا تعلمت منذ أن جاءت في خريفها الأول مكسورة ذليلة لم تمارس سلطتها إلا على أبناءها الذين ضاقوا ذرعاً بحالهم بين فكين مستعرين كلاهما متصل ببعض من خلال المرحلة والتسوية.

أمام قوة الضعف الكامن في جسد الأسرى وطاقتهم المشتعلة من ليل الزنازين وعجز السلطة والفصائل الفلسطينية عن مساندتهم، يبقى الحل الوحيد هو إسقاط السلطة والفصائل كونها شريكة بقتل واحتلال الفلسطيني، وليكن الإضراب الشعبي مشهد الصدارة في المرحلة القادمة وعنوانه إسقاط المرحلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إن غياب إيران عن القمة العربية الإسلامية الأميركية في الرياض سببه سلوكها غير المقبول، مؤكدا أن بلاده ستتعامل مع إيران بأكثر من طريقة.

تعتزم قوى ورموز مصرية معارضة من تيارات مختلفة بالداخل والخارج الإعلان عن جبهة وطنية لمواجهة الانقلاب العسكري بمصر والسلطة الحالية، لتكون مظلة لشركاء ثورة يناير، ويجمعها التوافق على عمل مشترك.

الأكثر قراءة