هل نحن مدمنون فعلا؟

قرأت كثيراً وربما قرأتم عن إدمان الجوال وعن قصص لأناس تركوا الجوال شهراً أو أكثر ليحاولوا التخلص منه أو التقليل من استخدامه بعدما طغى عليهم… وهي قصص متصلة بالإدمان على ألعاب الفيديو مثل بلايستيشن وإكس بوكس وغيرها. فهل إدمان الجوال حقيقة كحقيقة إدمان ألعاب الفيديو مثلا؟ وإذن فهل نحن مدمنون فعلاً؟
 
دعونا نبدأ الحكاية من أولها، قبل 15 عاماً. يدخل صديقنا مكتبه وقبل أن يستقر في كرسيه يسترق النظر إلى ساعته التي تشير إلى 7:55. أخذ يحتسي فنجان قهوته ويقرأ في كتاب ساعة. يقوم بعدها لينسخ بعض أوراقه ثم يعلق عليها، ثم يعود ليمسح الأوراق التي علق عليها بالماسح الضوئي، ويعود إلى مكتبه ليرسل تلك الأوراق بالبريد الإلكتروني إلى زميله الذي طلب رأيه في الكتاب.

وقبل أن ينتهي من هذا يتصل به مديره فيخبره بأن عليه التنسيق لاجتماع عاجل اليوم خارج البلدة التي هو فيها. يترك صاحبنا العمل على الرسائل والبريد ويعود إلى الهاتف يداعب بأصابعه كل تحويلة يتذكرها لأعضاء اللجان الذين سيحضرون هذا الاجتماع العاجل ويخبرهم واحداً واحداً بأهمية الاجتماع وأجندته وضرورة حضوره وتوقيته ومكانه.

اجتماع تلك الأجهزة في جهاز واحد مزية ورزية في الوقت نفسه، فكما أن قضاء الأعمال بالجوال أيسر وأسرع وأكثر إنتاجية، إلا أن ذلك يهدد بالقضاء التدريجي على التواصل البشري.

ينظر إلى الساعة فيجد أنها تشير إلى 10:10. يتنهد وينهض من كرسيه مفكراً: لقد بقي لدي أقل من ساعتين ويبدأ هذا الاجتماع خارج المدينة، وعليَّ أن أكون جاهزاً. يتصل بالسكرتير ويسأل عن جريدة اليوم، وعن الكاميرا الخاصة بالقسم لتصوير أحداث الاجتماع ونشرها في مجلة المؤسسة الداخلية. يخبره السكرتير وهو يحضر له جريدة اليوم أن كل شيء سيكون جاهزاً لكن يحتاج إلى دفع مبلغ التكلفة التي طلبها المصمم ومحرر الفيديو.

يشكره صاحبنا مرة أخرى وهو يسمع رنين الهاتف، ويومئ للسكرتير برأسه أن هذا كل شيء. نعم. يجيب صاحبنا على الهاتف، وهو يمسك بورقة لاصقة ويسجل فيها "شيك المصمم" نعم؟ كان المتصل يخبره بخبر اقتصادي صادم وينصحه بضرورة الاطلاع على التحليلات الاقتصادية في إحدى القنوات قبل الذهاب للاجتماع. يأخذ صاحبنا جهاز التحكم عن بعد ويشغل التلفاز. يعود إلى أوراقه ويقرأ ويوقع حتى انتهى منها فينظر إلى ساعته التي تشير إلى 11:00.

يضبط ساعته على منبه بعد عشرين دقيقة ويرفع عينيه إلى الشاشة فيجد الورقة الملصقة "شيك المندوب" فيأخذ دفتر الشيكات ويسجل ادفعوا … ثم يتوقف. ويغمغم: كم ندفع؟ يُخرج صاحبنا الحاسبة من درج مكتبه ويضغط على أزرارها ليحسب التكلفة ويكمل كتابة الشيك. ثم يفتح حاسوبه المحمول ليسجل بعض الملحوظات ويكتب: آخر الأخبار والتحليلات الاقتصادية وتأثيرها الممكن على قراراتنا اليوم … ينهمك في الكتابة حتى يرن المنبه في ساعته معلناً أن عليه المغادرة إلى الاجتماع حالاً. يطبع الورقة التي كتبها ثم يغلق حاسوبه ويلتقط الجريدة ويخرج مسرعا.

يركب السيارة فيسأله السائق إلى أين؟ إلى مكان الاجتماع. هل تعرفه؟ لا أجيده تماماً. سأحتاج بعض الوقت. ينظر صاحبنا إلى ساعته التي تشير إلى 11:30 ويفتح الجريدة ويقول: توكل على الله! مضت نصف ساعة والسائق كأنه يدور في حلقة مفرغة حتى تذكر جهاز تحديد المواقع والتوجيه جارمن فتوقف وهو يسترق النظر في المرآة خوفاً من أن يصيح به صاحبنا. استخرج الجهاز وشغله بسرعة وفتح المذياع على أي إذاعة لقطع الصمت المريب، ثم مضى يتبع توجيه الجهاز، حتى وصل إلى المكان المنشود.

علينا الفصل بين شيئين رئيسين: إدمان العمل على الجوال، وإدمان الإنترنت أو شبكات التواصل الاجتماعي تحديداً، فبينما نمارس أعمالنا باستخدامه، لكن يكفي تطبيق أو اثنين للتواصل الاجتماعي.

نزل صاحبنا وقال للسائق اذهب إلى مدرسة ابني ثم تعال لتأخذني من هنا لو سمحت. أغلق الباب وأخذ نفساً عميقاً ودخل المبنى. مضى من الوقت ساعتان. انتهى الاجتماع وخرج صاحبنا في 2:15 ظهراً ليجد ابنه في انتظاره عند مدخل المبنى. ركبا السيارة فأخذ ابنه جهاز الألعاب الشهير القيم بوي game boy وصار يلعب به في الطريق. أما فاستغرق في قراءة في مجلة كانت في حقيبته حتى غلبه النعاس.

قبل 15 عاماً كان هذا يوماً عاديا من أيام رجال الأعمال والموظفين، انقضى في إنجاز أعمال كثيرة باستخدام تقنيات متعددة، ولم يتهمه أحد إطلاقاً بأي نوع من الإدمان! دققوا في جميع الأجهزة التي ورد ذكرها في القصة. إنها كلها مجتمعة في جهاز واحد هو الجوال في أيامنا هذه!

الهاتف المتنقل (الجوال) اليوم هو لتسجيل المذكرات وكتابة وتوقيع الوثائق والتعليق عليها وطباعتها ونشرها وإرسالها بالبريد الإلكتروني، وللتصفح، وللتصوير بالكاميرا والتعديل على الصور والفيديو، ولتسجيل الصوت، وللتواصل بالهاتف والرسائل وللاجتماع عن بعد، وللنقاش صوتيا وكتابياً وبالفيديو، ولقراءة الكتب الإلكترونية والجرائد والمجلات والاشتراك في المكتبات، ولمشاهدة القنوات التلفزيونية والفيديو على يوتيوب، وللاستماع إلى قنوات المذياع والتسجيلات والكتب الصوتية، وللتذكير بالمواعيد والأجندة والمهام…الخ.

لقد حل الجوال مكان الحاسوب المحمول، والتلفاز، والمذياع، وجهاز التحكم عن بعد، وجهاز الألعاب الشهير القيم بوي game boy وأجهزة الخرائط والتوجيه (توم توم وجارمن)، والقواميس الناطقة، ولوح الرسم والفنون، والمنبه، والساعة، والحاسبة، ومسجل الصوت، ومقياس المسافة، وأجهزة الPDA المساعد الشخصي… بل أصبح يقوم مقام المدرب الشخصي ومتابعة الوزن ويعطيك نصائح للأكل الصحي!

يجب علينا أن نعترف أن الجوال الآن هو ركيزة الحياة التقنية المعقدة الجديدة، وأننا إذا أردنا أن نعود إلى الحياة البسيطة القديمة فإن هذا لن يتعلق بالجوال فقط، بل علينا أن نتخلى عن كل المظاهر الحديثة المعقدة كالإدمان على التنقل بالسيارات! وإدمان الأكل من المطاعم السريعة والبطيئة! وإدمان السفر بالطائرات… وهكذا.

يجب علينا أن نعترف أن الجوال الآن هو ركيزة الحياة التقنية المعقدة الجديدة، وأننا إذا أردنا أن نعود إلى الحياة البسيطة القديمة فإن هذا لن يتعلق بالجوال فقط.

أعتقد أن علينا الفصل بين شيئين رئيسين: إدمان العمل على الجوال، وإدمان الإنترنت أو شبكات التواصل الاجتماعي تحديداً. فبينما يفترض أن يكون العمل على الجوال لقضاء كل تلك الأعمال اليومية عادياً أو ربما مزية، فإنه يفترض أيضاً أن يكون قضاء الوقت المماثل في تطبيق واحد أو اثنين من تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أمرأً مقلقاً وربما إدماناً بالفعل.

في النهاية يبدو اجتماع تلك الأجهزة في جهاز واحد مزية ورزية في الوقت نفسه، فكما أن قضاء الأعمال بالجوال أيسر وأسرع وأكثر إنتاجية، إلا أن ذلك يهدد بالقضاء التدريجي على التواصل البشري، لأن التعامل سيكون دائماً عبر الوسائط الإلكترونية. وإذا زاد الإنسان على ذلك التعلق بتطبيقات التواصل الاجتماعي فإن هذه المشكلة تبدو أبشع.

ختام القول: لا تصدقوا خدعة إدمان الجوال.. لأن التنقل بالسيارة شيء وإدمان السماع لقناة معينة بمذياع السيارة شيء آخر تماماً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذرت وزارة الدفاع التونسية أهالي محافظة تطاوين جنوب شرقي البلاد من عواقب التصادم مع الوحدات العسكرية والأمنية في حال اقتحامهم المنشآت النفطية في منطقة الكامور بالصحراء التونسية.

الأكثر قراءة