لا تُذكّرُوه بِمَرضه

blogs السرطان

المرض الذي أرعب الأصحّاء قبل المرضى، ويسبّب الاكتئاب بمجرّد ذكر اسمه، ولذا نجد في مجتمعاتنا من شدة هلعهم من هذا المرض يخشون حتى أن يَذْكُرُوه على ألسنتهم، إنّه "السّرطان" هو في أذهانهم يعادل الموت بمفهومه، في حين نجد الكثير من الشّعارات والحملات التوعوية تسعى للحدّ من انتشار هذا المرض، معلّقات في كلّ مكان عن هذا الموضوع، وجعلوا له يوم خاص للاحتفال به، ويُخيَّل إلينا أن الدّعم المعنويّ هذا سبيله ..

دعني أخبرك أنّ المريض يكفيه شرف أنّه "حبيبُ الله" كيف لا وقد ذكره الله بامتحان ليجزيه مقابل صبره، فالمرض جائزة ربّانيّة وكُلّنا يعلم قصّة أيُّوب عليه السّلام وصبره مع المرض وكيف كان الجزاء بعد ذلك عظيم، حين نادى ربه بكلمات صادقة: "أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين"، فكشف الله ضره وأثنى عليه فقال: "إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب"، نال التّكريم والتّشريف من ربّه بشهادة "نعم العبد".
 

وقد ورد في بعض الآثار، يا ابن آدم :البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك، فسبحان من كانت رحمته بعباده أن جعل البلاء يربطه بهم، ويجمع بينه وبينهم لينال المبتلى من الله تعالى شرف الجمع معه ورحمات القرب به.

اتركوه يستنشق الحياة كبقيّة النّاس، لا تشعروه بمدى بؤس حياته، في النهاية يبقى السّرطان مرض كبقيّة الأمراض ولا علاقة له بالخطر والموت، كُلٌّ يأخذ نصيبه من امتحانات الله له، هذا كان امتحانه مرض وذاك فقر

وإنّ مرضى السّرطان عندما ابتلاهم الله بهذا المرض ما هو إلّا خير أكيد، فهؤلاء من أقوى الشخصيات التي واجهتها في حياتي، أتعلّم منهم الصبر والعطاء، كما لهم قدرة عجيبة على تحمُّل الآلام، بحيث كُلّ خيبة في حياتهم لا تُعادل شيء أمام معاناتهم مع المرض، لأنّ شخص يتحمل هذا المرض الخبيث تهون في نظره كُلّ مُشكلات العالم، وأيّ مشكلة بعد هذا المرض تكون بالنسبة إليهم لا تُساوي شيء ولا تستحق التّعاسة، بالعكس كل شيء بإذن الله هين . 

وممّا لا يعجبني هو نشر البعض حالاتهم المرضيّة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث كُلّ النّاس تعلم أنّ فلان معه "سرطان" فيصبح ذاك الشّخص مقيّد بشفقة النّاس وكُلّ مرّة يُذَكِّرُونَه أنّه معك "سرطان" يا الهي شفاك الله وعافاك، أنتَ قويّ وسَتتغلَّب على المرض، صحيح أن النيّة سليمة بدعمك المعنويّ له، لكن أعتقد أنّ الأمر لا يحتاج إلى تشهير بالعكس كُلّما خفي كان أفضل، أنت تدعمه معنويًّا كُلّ ثانية وكُلّ يوم، لكن لا تعلم أنّ هذا يؤثّر عليه سلباً بحيث مقابل كُلّ دعم يتذكّر أنّ معه "سرطان"، تعلّم فن التعامل مع المريض، حدّثه في أيّ شيء لا يتعلّق بمرضه، وبرأيي هذا المرض تحديداً يحتاج إلى دعم نفسي وروحي من الشخص المريض ذاته فقط لا غير ليعيش بسلام داخلي كغيره من البشر .. ولو سألتم أيّ مريض سرطان "ما الذي أنت بحاجة إليه الآن؟" سيجيب : "لا تُذكِّروني بمرضي" ..

اتركوه يستنشق الحياة كبقيّة النّاس، لا تشعروه بمدى بؤس حياته، في النهاية يبقى السّرطان مرض كبقيّة الأمراض ولا علاقة له بالخطر والموت، كُلٌّ يأخذ نصيبه من امتحانات الله له، هذا كان امتحانه مرض وذاك فقر، والآخر يعاني من عقوق أولاده، والله تعالى يقسّم علينا بالعدل والانصاف، كُلّ مِنّا يحمد الله على ما هو عليه عندما يُبصِر معاناة غيره، حتّى مريض السّرطان يقول الحمد لله الذي عافيتني ممّا ابتليت به غيري، فسبحان من جعل في مشكلات الغير حمد على ما نحن فيه ..

ادعم نفسك بنفسك ولا تشهر بمواجعك كي لا يُذَكِّروك بين الحين والآخر فتكون أقوى معافى، طبِّق هذه القاعدة وستعود ذاك الانسان الذي لم يعرف المرض قطّ

لذا ليس علينا أن نُضخّم الأشياء ونعطيها أكثر من حجمها فخُذوا الأمر ببساطة، للأسف نحن ضعفاء وجبناء لأننا لم نُجرّب المرض، لكن من ذاق طعمه ذاك هو البطل القويّ، وأعتقد أنّ مريض السّرطان يُشفق علينا عندما نواسيه بين الحين والآخر ! هو بخير وليس بحاجة إلّا أن تُعاملوه كانسان معافى ..

ادعم نفسك بنفسك ولا تشهر بمواجعك كي لا يُذَكِّروك بين الحين والآخر فتكون أقوى معافى، طبِّق هذه القاعدة وستعود ذاك الانسان الذي لم يعرف المرض قطّ.