عندما قررت أن أقاوم مقاومة سلمية

مدونات - الأسرى
رغم أنني لا أؤمن بالمقاومة السلمية، لأنها لا تعيد حقاً مسلوباً، ولا ترجع كرامة مهدورة.. إلا أنني بتُ أمارسها رغماً عني، لأنها الخيار الوحيد المتوفر أمامي في ظل سلطة تدَّعي الوطنية، وتقف بالمرصاد وتضطهد كل من تسول له نفسه بأن يقاوم الاحتلال فعلياً. غدوت ألجأ إلى مقاومتي السلمية كنوع من التفريغ لمشاعر القهر التي أطبقت قبضتها على روحي، فكدت أختنق.

أعلنت القوى الوطنية ونادي الأسير عن تنظيمها لمسيرة سلمية في ذلك اليوم، تُرفع فيها اللافتات الداعمة لصمود الأسرى، والـمُطالِبة بالاستجابة لمطالبهم. فقررت الخروج، وأعددت لوحة كبيرة كتبتُ عليها" الأسرى في مواجهة السجان"، و"من جوعكم نستمد كرامتنا"، و"مي وملح"..

سألتها: أليس صعباً عليك يا خالتي المشي لمسافة طويلة مع المسيرة في هذا الجو الحار؟ قالت: ابني يا بُنيتي.. كيف لي أن أجلس في البيت وابني يكاد يموت جوعاً؟ ابني أسير منذ سبعة عشر عاماً.. وهو مضربٌ عن الطعام منذ 30 يوماً، كم أنا قلقة عليه، وكم أشتاق لرؤيته.

غادرت عملي، وانطلقت إلى مكان التجمع.. كان هناك بضعة عشرات من المتضامنين يحملون اللافتات ويقفون بصمت تحت شجرة زيتون رومية تنشر ظلها في المكان، زادت أعداد المتضامنين، وارتأى المنظمون أن تنطلق المسيرة إلى حيث الحاجز العسكري الصهيوني الذي يطبق فكيه على مدخل قلقيلية الشرقي، ليتم إغلاق المدخل لمدة ساعة واحدة فقط، حيث تتوقف الحركة المرورية للمستوطنين عند مدخل مستوطنة تسوفيم أيضاً بسبب تزاحم السيارات في المنطقة، حتى تصل الرسالة واضحة للاحتلال: بأننا ندعم الأسرى ونطالب بالاستجابة لجميع مطالبهم.

كانت الساعة الواحدة ظهراً، والجو حاراً.. انطلقنا نهتف هتافات تضامنية مع الأسرى ومنددة بالاحتلال وإجراءاته التعسفية. سارت ببطء في مؤخرة المسيرة سيدة في نهاية عقدها الخامس، كان وجهها محمراً ويقطر عرقاً، ضمت إلى صدرها صورة أسير، كأنها تحتضن صاحب الصورة، سألتها: أليس صعباً عليك يا خالتي المشي لمسافة طويلة مع المسيرة في هذا الجو الحار؟ قالت: ابني يا بُنيتي.. كيف لي أن أجلس في البيت وابني يكاد يموت جوعاً؟ ابني أسير منذ سبعة عشر عاماً.. وهو مضربٌ عن الطعام منذ 30 يوماً، كم أنا قلقة عليه، وكم أشتاق لرؤيته، وأتمنى أن أزوجه وأرى أبناءه قبل أن توافيني المنية.. تركتني وأخذت تهتف وحدها بقوة:

"يا جماهيرنا الشعبية.. حيوا أسرى الحرية.. تحيتنا عالية.. للأمعاء الخاوية.. يا أسرانا إحنا معكم.. بالإضراب إحنا معكم، تحيتنا للأسير.. للي ناضل للتحرير.. يا أسرانا يا أبطال.. يا ضحايا الاحتلال.. صبراً صبراً ع الأغلال.. ليل الظلم مهما طال.. بدو يزول لا محال.. الحرية الحرية.. للي ضحو بالحرية".

أصبحنا على مرمى حجر من الحاجز.. أغلق الشبان كلا جانبي المدخل بإطارات سيارات قاموا بإشعالها بعد ذلك لإجبار السيارات على التوقف والانسحاب خلفاً، ووقفنا أمام الإطارات نرفع اللافتات لينقل الصحفيون مطالبنا للعالم أجمع.. وما هي إلا لحظات حيث أخذ جنود الاحتلال يطلقون قنابل الغاز المسيل للدموع، تراجعنا للخلف بعد أن بدأ بعضنا يعانون الاختناق، وشعرت بشيء صلب يصطدم بأسفل ظهري.. ورأيت أسطوانة معدنية يغلف رأسها قطعة مطاط سوداء مستديرة تسقط جانبي.. لم أدر ما هذا.. ولم أشعر للوهلة الأولى بأي ألم.. أخذت أتراجع بسرعة.. ولكن بعد عدة مترات، وجدت ساقي أصبحت ككيس رمل ثقيل، أسحبه بصعوبة.. حثتني إحدى المتضامنات بأن أسرع حتى لا أختنق، أشرت إليها أنني لا أستطيع، فساقي ثقيلة، وظهري يؤلمني.. عادت إلي لتساعدني وأخبرتني بأن هذه كانت رصاصة معدنية مغلفة برأس مطاطي.. حضرت سيارة الإسعاف بعد دقائق، أسعفت مصابين باختناق كانا يسعلان بحدة ويستفرغان.. ثم أقلتني للمشفى.
 

هم يوثقون أي اعتداء ويصورونه على أنه جريمة، بينما نحن نستهين بحقوقنا، آلاف الأسرى منا في سجون الاحتلال يعانون ولا يحرك العالم المنافق ساكناً لنصرتهم.. بينما نجد جندي إسرائيلي أسير في غزة.. تقوم الدنيا ولا تقعد لأجله.

لم يكن معي نقود، أو أوراق ثبوتية، أو جوال لأتصل بزوجي، طلبت مني ممرضة في قسم الطوارئ أن أسجل قبل دخول القسم، حاولت إقناعها بأنني لا أستطيع عمل ذلك وحدي، أصرت على كلامها.. ذهبت أجوب الطابق الأرضي من بحثاً عن هاتف.. حضر زوجي، وتمت الإجراءات الطبية، وتقدم مني شرطي سائلاً:

-هل تريدين تسجيل إصابتك على أنها إصابة جيش؟ فقلت:
-نعم.. ألست فلسطينية خرجت في مسيرة سلمية وتم إصابتها بالرصاص المعدني؟ فلماذا لا أُثبت حقي في ذلك؟
فإذا بالشرطي يوجه كلامه لزوجي قائلاً:
-إذن اذهب وإياها إلى مركز الشرطة، ليتم تعبئة البيانات المطلوبة.
جُن جنون زوجي فرد قائلاً: هي تعبانة، وبالكاد تستطيع المشي، وتصور لو أن هنا الآن مصاباً بجروح عميقة وخطيرة، هل تنتظرون أن يذهب إلى مركز الشرطة ليثبت إصابته برصاصة احتلال؟!

عدت إلى البيت لأكمل علاجي وأرتاح، وأنا مستغربة جداً مما جرى معي في المشفى.. وخلال تصفحي للإنترنت قرأت الخبر الآتي:
إصابة جندي إسرائيلي بجروح طفيفة في الخليل جراء رشقه بالحجارة.. فقلت في نفسي: سبحان الله، هم يوثقون أي اعتداء عليهم ويصورونه على أنه جريمة، بينما نحن نستهين بحقوقنا، ونضع العقبات أمام أن يتم توثيق أي منها.. آلاف الأسرى منا في سجون الاحتلال يعانون ولا يحرك العالم المنافق ساكناً لنصرتهم.. بينما نجد جندي إسرائيلي أسير في غزة.. تقوم الدنيا ولا تقعد لأجله.. رغم أنه هاجر لفلسطين من إحدى دول أوروبا، وقدِم لغزة حاقداً راغباً في تدميرها.. ثم يطل علينا ترمب من قلب الرياض قائلاً: حماس إرهابية.. فيا للعجب العجاب!