عامان على مذبحة هِرَّان

لا الكلمات تستطيع أن تكتب هذه الجريمة، ولا الحرف قادر على اختزال مشهد مروع يصف مذبحة هِرَّان بحق شهود الحقيقة. خرج الصحفيان يوسف العيزري وعبد الله قابل في مهمة صحفية إلى إحدى مديريات ذمار التي تبعد عن صنعاء جنوباً بـ 100 كيلو متر، لتغطية فعالية قبلية ترفض الانقلاب على الدولة، كان سلاحهم الكاميرا التي تبدو سلاحا مخيفا يرعب المليشيا.

قرر العيزري وقابل العودة إلى ذمار، وإذا بهم أمام مجاميع حوثية تترصدهم لتتخطفهم وهي مبيّتة لتصفية الشهود وإزاحتهم من مشهد الحياة، لعلها تتفرغ لابتلاع ما تبقى من الدولة، وفق تحريض أصدره زعيم الحوثيين في إحدى خطاباته وهو يصنف الصحفيين المناهضين للانقلاب بـ أخطر من الذين يقاومون مليشياته بالسلاح، وهو ما اعتبره الصحفيون ضوء أخضرا لعناصره بتصفية وقتل كل صحفي يمني ينقل الحقيقة، ويرصد جرائمهم.

وجد العيزري وقابل ذاتيهما بين جدران مركز هِرَّان، الذي يقع في جبل مطل على مدينة ذمار، يستخدم لرصد الزلازل حوّلته المليشيا إلى مخزنٍ للسلاح، أدركا حينها أنهما يتعرضان للتصفية، في الوقت الذي أكد المتحدث باسم التحالف أحمد عسيري أن مليشيا الحوثي حوّلت المرافق الحكومية في ذمار إلى مخازن للأسلحة. سلك الصحفيان دروب الصحافة وهما على يقين بفداحة الثمن الذي يتوجب عليهما دفعه في سبيل مسارات الحرية المتعرجة، وحقول ألغام كثيفة زرعها أعداء الصحافة.
 

في هرّان كان الموت من نصيب الصحفيَّيْن يوسف العيزري وعبدالله قابل ورئيس الدائرة السياسية للإصلاح في محافظة إب أمين الرجوي، تمزقت أجسادهم تحت الركام، تركتهم المليشيا عرضة للهلاك

في تمام الساعة الخامسة عصر يوم الخميس 21 مايو 2015م قصف طيران التحالف مركز هرّان الذي يتواجد فيه عدد من الصحفيين والسياسيين المختطفين الذين أودعهم الانقلابيون بجوار أسلحة، كانت تلك اللحظة بمثابة فاجعة هزت الضمير اليمني، وأصابت الوسط الصحفي بالذهول والوجع، لم يكن حينها من أخبار تؤكد أن العيزري وقابل كانا في هِرَّان، لكن المؤكد أن هناك مختطفين تم إيداعهم في أماكن عسكرية وأخرى مدنية تحولت إلى مخازن أسلحة، عملا بالنصيحة التي أسداها القيادي الحوثي حسن زيد والصحفي التابع للمخلوع نبيل الصوفي، اللذَيْن دعوا المليشيا بوضع المختطفين من حزب الإصلاح في أماكن عسكرية، في خطوة فاشية تكشف مدى وحشيتهم في إزهاق المزيد من أرواح الأبرياء وبطريقة نازيّة.

كان حينها فايز الضبياني وهو شقيق أمي قد تم اختطافه من مدينة ذمار من قبل المليشيا، وتم نقله إلى مقر حكومي آخر حولته المليشيا لمعسكر تدريب عسكري لعناصرها، أودع في زنزانة انفرادية هو يسمع صراخا يتعالى من مختطفين يتعرضون للتعذيب، تعرض هذا المقر الذي يحتجز فيه الحوثيون مختطفين للقصف من قبل التحالف؛ وحينما يصف خالي الحادثة يتلعثم لسانه من هول الفاجعة، لقد تم تسوية المبنى بالأرض، ولم يتبق سوى القبو الذي هم فيه، تمزقت جدران الزنازين وانخلعت الأبواب وتمكن خالي مع مجموعة صغيرة لا تتعدى أصابع اليد من المختطفين من النجاة بعد إصابته في رأسه وتمزقت ملابسه حيث فتح القصف للمختطفين مخرجا للنجاة من موت محقق.

 

يقول خالي لنا وهو يسرد قصته كأحد الناجين من هذه المذبحة أنه حينما تمكنوا من الخروج من الزنازين وجدوا الكثير من الصناديق الخشبية المعبأة بالأسلحة وصواريخ الكاتيوشا والألغام بجوار زنازينهم، وأنه لولا لطف الله لهم وعدم وصول صاروخ الطائرة إلى الدور تحت الأرضي لمزقت الأسلحة أجسادهم وصاروا أرقاما في قاموس ضحايا الحوثيين، لم ينج جميع المختطفين من المذبحة، بل سمع أنين مختطفين آخرين تحت الأنقاض لم يكن بوسعهم إنقاذهم، خرجوا وهم فاقدو الوعي، يرهبهم هلع المشهد وصعوبته البالغة، وهم يحدقون نحو المبنى وقد أصبح أثرا بعد عين، نجوا من الموت بأعجوبة، تمكنوا من الفرار وكان العديد من المختطفين الناجين مصابين بإصابات مختلفة، تحرروا من مخالب المليشيا محتفظين بذكريات مروعة وموت محقق.

أما في هرّان فقد كان الموت من نصيب الصحفيَّيْن يوسف العيزري وعبدالله قابل ورئيس الدائرة السياسية للإصلاح في محافظة إب أمين الرجوي، تمزقت أجسادهم تحت الركام، تركتهم المليشيا عرضة للهلاك، لم تكتف بوضعهم دروعا بشرية، بل عَمَدت على إخفاء الحقيقة، كان قلب أم الصحفي عبدالله قابل يقول لها أن ابنها يقبع تحت ركام مركز هران، تحركت بعد القصف لتتفقد ابنها لعلها تجده على قيد الحياة، وما إن وصلت حتى كان الصد والتهجم من الحوثيين لها بطريقة لا إنسانية وبذريعة أن ابنها في مكان آخر، وهي تتحدث أنها كانت تسمع أنيناً يشبه فلذة كبدها يأتي من تحت الانقاض، عادت لكن قلبها وخوفها ووجعها لم يعد، بقي بجانب ابنها ورفيقه.

 

تبقى مذبحة هِرَّان عالقة في ذاكرة الصحافة اليمنية تكتب توحش جماعة أمْعنت في ارتكاب الجرائم بحق اليمنيين، وما زالت تترصد الحقيقة، متجاهلة واقعا يمانياً مختلفا يتسلح بإرادة وعزيمة جامعة تطوق أعناق القتلة

حاول الحوثيون إخفاء الحقيقة، غير أن رائحتها عمّت الأرجاء وضجت وسائل الإعلام المختلفة ببعض تفاصيل الجريمة، حينها وجد الانقلابيون أنفسهم محاصرين من كل صوب، تطاردهم لعنة المذبحة، تفضحهم تفاصيلها وطريقتها الفاشية، بدت للانقلابيين فكرة طمس أثار الجريمة، لكنهم فشلوا مرة أخرى؛ بعد خمسة أيام من تهرب المليشيا ومنعها لفرق الإنقاذ وأهالي المختطفين من الاقتراب من موقع المذبحة، تم التعرف على جثث 11 شخصاً فقط، حسب تقرير للمنظمة العربية لحقوق الإنسان ومقرها لندن، ضمن ضحايا القصف الذي استهدف "هران"، بينهم الصحفيين قابل والعيزري، وأمين الرجوي القيادي في حزب الإصلاح، وعشرة مواطنين آخرين، إضافة إلى طبيبيَن وناشط سلفي، وبقي رفيق قابل والعيزري الصحفي حسين العيسي شاهدا يسرد تفاصيل الجريمة، رغم أنه تعرض للاختطاف مرة أخرة وما زال برفقة 21 صحفيا في سجون الحوثية.

كانت مذبحة مروعة أراد الحوثيون من خلالها أن يخرسوا صوت الحقيقة، غير آبهين بأحد، كونها جماعة مليشياوية تعتمد الجريمة كمسيرة شيطانية ملطخة بالدم، وتتدثر الحقد، وتاريخا حافلا بالثأر الطائفي والكراهية.

لتبقى مذبحة هِرَّان عالقة في ذاكرة الصحافة اليمنية تكتب توحش جماعة أمْعنت في ارتكاب الجرائم بحق اليمنيين، وما زالت تترصد الحقيقة، متجاهلة واقعا يمانياً مختلفا يتسلح بإرادة وعزيمة جامعة تطوق أعناق القتلة، وتكتب تاريخا لا ينحني لعصابة فاشية لا تؤمن بالحياة ولا يوجد في أجندتها سوى أدوات الموت ورائحة البارود وخرافات الاصطفاء المدنس بالخطيئة.

سلام إليكم يا شهداء مذبحة هران وكل شهداء الكرامة، لستم أسماء عابرة، بل أيقونة نضال، وثورة تضحية، وصوت الحقيقة الثائرة، ومرآة وطن يتوق للحياة، وصدى هتافاته الهادرة بالحرية، منحتموه أرواحكم من أجل تنتصر الدولة على الفوضى، أن تسود لغة السلام بدلا عن السلاح، وثقافة المدنية بدلا عن مخالب الغاب والجريمة، وفكرة الدولة بدلا عن مستنقع المليشيا الضحل.. والانتصار لدمائكم وتضحياتكم حق يأبى النسيان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة