سأخون وطني

إن القوالب الفكرية الجاهزة والأفكار السريعة التحضير المستمدة من آراء الجماعات أو تلك التي تكون نابعة كليا من صميم العواطف، أو تلك المبادئ المتخمة بالاستثناءات التي تركز على جزئية معينة وتغفل عن أجزاء أخرى موازية، هي لا شك تنم عن عدم التحلي بالموضوعية، فلا يمكنك أن تطالب بالكل وأنت لا تنصف بعضك أو تغفل عن أجزائك الأخرى.

 

ولا يمكنك أن تطالب بالوحدة وأنت تكرس الفرقة فكم من وحدة ظاهرية تحمل في باطنها الفرقة، فجل ما نحتاج إليه تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية ومعالجة مكامن الخلل البادية في مجتمعاتنا والتي تخدش وحدة الصف، فمتساويان أمام الوطن من أعلن انفصاله بشكل بين، ومن تغنى بالوحدة وهو يكرس الانقسام بشكل خفي وهو لا يعتد إلا بقبيلته وطناً، وليس بإمكاننا طي الماضي ونحن ما زلنا نعيش صومعته، ولن نكون إنسانيين قطعا حينما نشيد بإنجازات ديكتاتوري ما ونغط الطرف عن جرائمه، فما قيمة العمران دون وجود كرامة للإنسان وما الجدوى من الاحتفاظ بجمال البدايات رغم بشاعة النهايات، وما العائد الذي سنجنيه إذا زور كل منا التاريخ ونصب لأبن قبيلته تمثالاً بطولياً وإذا ما لمع صورته، وإذا ما بات مؤرخاً وأقتطع كل الأجزاء الغير مستساغة إنسانياً، فالموضوعية تقتضي الإقرار بكل الإنجازات وتوثيق كافة الانتهاكات في الوقت ذاته.

 

غارقون نحن في استحضار الماضي وفي استخراج نماذج قد تكون ملهمه وقد تكون مشوهه أحيانا أخرى أكثر من انشغالنا بصناعة وتنشئة جيل جديد خالي من شوائب الماضي ومحارب للتعصب

فالإنسانية تأتي قبل الوطنية، فمتى سيكف الصوماليين عن تصوير المجرمين كمنجزين، فمهما بلغ أحدهم من الشرف والمجد التليد ومهما قاوم من مستعمرين فأن تلطخ يديه بدماء الأبرياء يسقط عنه رداء الوطنية، فمن ترك جراحاً لن تندمل في أي منطقة أو أي إقليم أو أي قبيلة وأراق قطرة دم واحده يفترض بأن يوجع ضمائرنا جميعاً وأن نستاء من قبيح أفعاله قبل سرد فضائله، وكما ورد في السنة النبوية الشريفة "ولزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم" وإذا ما حدنا عن هذا الطريق فأننا نقوم بخداع أنفسنا ولي عنق المبادئ، والمبادئ لا تتجزأ ولا يجدر بنا أن نكون انتقائين ولا إقصائين أو قبليين، ونحن هنا لا ندعو إلى التكفير ولكن للتفكير، وبعدم إضفاء هالة من القدسية .

في الوقت الذي بتنا نعاني فيه خللا بالمفاهيم، حتى أصبح مفهوم الوطنية لدينا في كافة أعيادنا الوطنية، هو الرقص مع الإيقاع وصرف مبالغ طائلة في تلك الاحتفالات التي لا تسمن ولا تغني من جوع في حين يموت الكثيرون من الجوع، فما أجمل بأن نكره وننبذ في "مايو" تلك السلوكيات الظلم والتمييز وانعدام العدالة والحرص على تفاديها عوضاً عن كراهية بلد بعينه، وبأن نعيد قراءة التاريخ بفكر مختلف، وما أجمل أن نستحضر في الأول من "يوليو" سعي الشمالين إلى الوحدة وإعادة ترغيبهم بها بعدم التقليل من شأن الانتهاكات والجرائم التي أدت إلى انفصالهم، فمن الحماقة التركيز على ردود الفعل المتمثلة بالانفصال وعدم التركيز على الفعل الذي أدى إلى تلك النتيجة وتجريم تلك الممارسات والاعتراف بحدوثها كحكومات وكأفراد، ولا أعتقد بأن هناك شيئاً أكثر أنصافا من الاعتراف بالإنسانية ورفض الظلم جملة وتفصيلا، لكي تزول الضغائن وتنقشع غيوم اللاثقة الملبدة في السماء الزرقاء والتي لم تعد صافية كما كانت.

وكما يقول الكاتب الصومالي محمد الزيلعي "أخطر الاسئلة هي تلك الهاربة من سجن الإقصاء هل أنت وحدوي أم انفصالي؟ لا أدري في طيات كل جواب "عملية اغتيال معنوي" فهؤلاء الظرفاء المتسلسلون المتعاقبون تعاقب السؤال والجواب الشاردون من كهف داحس والغبراء المارقون من كوكب العيش المشترك لا يرتاحون بدون تصنيفك "معهم أو ضدهم" بدون تشطيبك من نقابة الوطن التي يدفعون رسومها وحدهم فقط! أنا وحدوي يرى يصعب تجاوزه أنا ابن شمال الشمال وعشقي جنوب الجنوب أمثالنا منفيون محاربون تائهون في بحر الوطن بلاد "سّمال العيون" تحتاج الى حب بلا شروط بلا قيود بلا إقصاء".
 

سأخون وطني لأنني سأزيل كل التماثيل التي شيدت زورا باسم الوطن، ولن أنحني بإجلال لمن قد أراق قطرة دم، سأخون وطني لأنني في غمرة التجاذبات والتحيزات الكبرى والتصنيفات الضيقة لن أكون في خانة "مع" ولن أكون في خانة "الضد"

ولكنه ورغم إيمانه بالوحدة لا يفقد موضوعيته وإنسانيته حين يقول الزيلعي: "إن نظام سياد بري وأد القبائلية في مطلع حكمه ثم أيقظها من مرقدها في أواخر أيامه، كان مجد صومالنا وسر سقوطنا، ضدان في واحد كان موتاً في حياة أو حياة في موت". ويأيده بالرأي الكاتب محمد عبد الله ولكن من زاوية وحدة الأهداف قائلا: "لم أكن يوما ضد الوحدة لكن وحدة مع من؟ وعلى ماذا؟ وفي أي ظرف؟ لا نختلف على الوحدة وإنما على الجملة المستدركة ب "لكن" التي تركتها أنت شاغرة وأريد أنا ملأها".

وقد آن الأوان لكي نتحرر من الأحكام المسبقة، وأن لا نعتبر 18 مايو فرصة للتنديد بذكرى الانفصال السادس والعشرين وللانتقاص من الأسباب المؤدية لذلك، وبعث رسائل إيجابية تتنصل وتتبرأ من كل من تلطخت يداه بدم صومالي، وتسمية مجرمي الحرب بأسمائهم وبوضعهم بمكانهم الأنسب ألا وهو مزبلة التاريخ، فما أحوجنا إلى وحدة إنسانية ووطنية حقيقية لا إلى ذاكرة قبلية سقيمة تنصب زعمائها كرموز ووتوج مجرميها كمجاهدين أبطال، فلا تحدثني عن الانتماء ثم تقسم الوطن أمامي إلى أجزاء بانحيازك العلني وتأييدك المطلق لمن تسببوا بانهيار الصومال فالخراب لا يجُب عما قبله بتاتا، ويبلور هذه الفكرة الكاتب الصومالي عمر باشا بقوله:

"هناك تحدي وأضح أمام المثقف الصومالي وهي كما تحدثنا فكرة الزعيم البطل الذي يقوم بالنسبة الى العقل الجمعي مقام المهدي المنتظر، والزعيم البطل ظاهرة لا تخضع للقانون وإنما هي ظاهرة تقوم على التقاء سلاسل من الأسباب المتوازنة والمتقاطعة التقاء لا يمكن التنبؤ به بحال من الأحوال. وهذا ينطوي عليه هروب لاشعوري من المسؤولية، مسؤولية مواجهة الواقع".
 

ما زلت أحتفظ ببصيص من الأمل وأراهن على الجيل الواعي المثقف الذي سيقتلع جذور التعصب وسيهدم كافة التماثيل المنصوبة وسيكتب التاريخ بفكر وحبر جديد

غارقون نحن في استحضار الماضي وفي استخراج نماذج قد تكون ملهمه وقد تكون مشوهه أحيانا أخرى أكثر من انشغالنا بصناعة وتنشئة جيل جديد خالي من شوائب الماضي ومحارب للتعصب. سأخون وطني وسأقف على الحياد لا أميل إلى انفصال ليقيني المطلق بأننا شعب واحد وساسة متفرقون، سأخون وطني حينما أقر بأن وحدته الحالية هي صوريه وأن الأعلام القبلية المنصوبة هي كالسكاكين المغروسة في قلب هذا الوطن، سأخون وطني لأنني سأزيل كل التماثيل التي شيدت زورا باسم الوطن، ولن أنحني بإجلال لمن قد أراق قطرة دم، سأخون وطني لأنني في غمرة التجاذبات والتحيزات الكبرى والتصنيفات الضيقة لن أكون في خانة "مع" ولن أكون في خانة "الضد" ولن أوزع صكوك الانتماء ولكنني سأقف على الحياد وسأقف مع مصلحة الوطن.

 

وختاما ما زلت أحتفظ ببصيص من الأمل وأراهن على الجيل الواعي المثقف الذي سيقتلع جذور التعصب وسيهدم كافة التماثيل المنصوبة وسيكتب التاريخ بفكر وحبر جديد ويقول كما قال الكاتب بصوت واحد الصومالي عبد الرزاق هرتي:"يوما ما ستعود هرجيسا لتعانق مقديشو، وتعود مقديشو لتحتضن صومالنا الغربي المحتل، وتعود جيبوتي لتنادي جارسيا المحتلة وتتحد أضلاع نجمتنا الناصعة البياض، رمز صومالنا الكبير إنه حلمنا وليس ببعيد فبعد العسر يسر، فما زلنا متمسكين بالأمل لآخر نبض يسري في قلوب أجيالنا".



حول هذه القصة

شارك عشرات الشبان المغاربة في وقفة احتجاجية بمدينة طنجة شمالي البلاد للمطالبة بإطلاق سراح مدونين اعتقلوا في قضية “الإشادة” باغتيال السفير الروسي في تركيا أندريه كارلوف، على مواقع التواصل الاجتماعي.

زاد البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار نقطتين مئويتين لتقترب من 18%، وهو اتجاه يتوافق مع توصيات صندوق النقد الدولي لكنه خالف توقعات المحللين الاقتصاديين.

انتقد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إصدار محكمة عسكرية في قطاع غزة أمس الأحد ثلاثة أحكام بالإعدام بحق “عملاء” إسرائيليين متهمين بقتل أحد قادة حماس، وشكك في قانونية الأحكام.

كشف المغني البريطاني الشهير يوسف إسلام عن مشاريع فنية تولي اهتماما خاصا للأطفال، وزار تركيا للتعريف بكتابه “لماذا ما زلت أحمل غيتارا؟ رحلة الهداية من كات ستيفينز إلى يوسف إسلام”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة