بين الكوميديا والإيحاء

في الكرسي السابع والثامن، من الصفِّ الخامس، يجلس شابٌ ثلاثينيّ وزوجته وسط جمعٍ كثيف من المُصفّقين لمَن يظهر على المسرح الآن. ديكورات فارهة. موسيقى صاخبة تتراقص معها جدران المكان. وطاولة عريضة يجلس عليها صانعُ الكوميديا الذي يتفاوت من رجلٍ حيّ، وحتى دُمية من القطن.  أمام الشاشات يجلس أضعاف مَن يتواجدون في المسـرح، ثم أمام "اليوتيوب" قد يتضاعف الرقم من جديد. ثم تتسع دائرة الأخذ والتمرير للحلقة ومضمونها على "الفيسبوك" وسائر مواقع التواصل… وهَلُمَّ جَرًّا.

في الحقيقة: ليست الأزمة هنا في صناعة الكوميديا أو في استقطاع الناس من أوقاتِهم وأموالِهم لأجلِها بقدر ما هي فيما تعتمده هذه الصناعة من أدوات. ففي العموم، تُعتبر الكوميديا فن البهجة -كأثر- وسرعة البديهة -كسبب- مع شيءٍ من السُخريةِ التي لا يخلو منها المجال. هكذا في المُطلق العام، وهكذا أيضًا عندما تكون الكوميديا وسيلة لإسعاد الغير أو للتعبير عن القضية بشكل خفي -كالكوميديا السوداء- فتكون السُخرية أخلاقية أو بعيدة عن الذوات والأشخاص الذين لا يستحقون ذاك. لكن أن تكون غرضًا في ذاتها فإنها بطبيعة الحال ستحوسل كل شيء -أي تحوّله إلى وسيلة- في سبيل تحقيق أطماعها التي لا تقف عند حدٍّ مُعيّن للحصول على أكبر قدرٍ مُطّرد من الضحكات، ومن ثَم الأموال.

يقول المؤدّي الكلمة التي لا تحمل حروفها لفظةً بذيئةً ولكنّها تصنع معها نوعًا من الجِناس الناقص كتعريضٍ بها، ثم يسكت ليختبر رد فعل الجمهور الذي يلتقط هذه السكتة، فيفهم ما وراء الكلمة، ويغرق في الضحك، وتنتصـر الكوميديا الخالية من القيمة

هذا كله مع تحييد النيّة وعدم إساءة الظنّ فيمن هم خلف هذه الكوميديا الغائية وما قد يرمون إليه -بالفعل- من أهداف ما بعدية، كإسقاط منافس سياسي بشكل غير أخلاقي، أو صرف الاهتمام المجتمعي نحو مشكلات ثانوية دون التطرق لأساس هذه المشكلات من باب نقد السوط وترك الجلّاد، وما إلى ذلك. فبخلاف كل هذا، أو بالتغاضي عنه بشكل مؤقّت، فثمّة أزمة أخلاقية واسعة خلف هذا النوع من الكوميديا التي تستتر خلف الادعاء الواهي بأنّها للكبار فقط.  فقد لا يعتمد كاتب النصّ أو صانع الأداء في هذه العروض على الخدش الأخلاقي الصـريح بالتعبير واللفظ، تجنّبًا لما يسمّى بالرقابة، ويكتفي -للمفارقة- بما هو أخفّ في ظاهرِه وأعمق في أثره، فيلجأ إلى التلميح، أو بكلمةٍ أخرى: إلى الإيحاء.

يقول المؤدّي الكلمة التي لا تحمل حروفها لفظةً بذيئةً ولكنّها تصنع معها نوعًا من الجِناس الناقص كتعريضٍ بها، ثم يسكت ليختبر رد فعل الجمهور الذي يلتقط هذه السكتة، فيفهم ما وراء الكلمة، ويغرق في الضحك، وتنتصـر الكوميديا الخالية من القيمة. ثُم يتكرر الأمر مع زيادة جرعة التلميحات التي يتبعها ازدياد منسوب الضحك والإعجاب بما يحدث، فلا يجد المؤدّي أي فائدة من مقاومة رغبته في استعمال الألفاظ نفسها -تدريجيًا بما تسمح به التجرية- لقياس ردود الأفعال، فيفعل، فتقف القهقهات في صفِّه، فيتمادى، فيظهر على الشاشات الكثير من الصافرات التي يعقبها موجات صاخبة من الضحك. نعم، لقد قال المؤدّي شيئًا نابيًا بالفعل هذه المرّة ولم يكفِه الإيحاء. هذا يستثير الكثير من الفضول. لنذهب في الحلقة القادمة لنرى العرض المباشر ونعرف ما يدور ونضحك كردّ فعل أولي على كلمات المؤدّي بدلًا من الضحكات الثانوية على ضحك الجمهور.

هل بدا ذلك مُقنِعًا؟ 
لا بأس، فالخيال يتماهى مع الحقيقة أحيانًا إذا أحسنّا استقراء المعطيات. بيد أن المشكلة حتى الآن لا تزال أبعد من اعتبار ما يحدث خدشًا للحياء وحسب. فقد يقول قائلٌ أن ما يحدث في هذه العروض أو البرامج لا يجتاز الحاجز الأخلاقي بنفس القدر الذي يحدث في المواصلات والشوارع والجامعات والمدارس وفي كلِّ مكانٍ -عدا دور العبادة تقريبًا- وأن هذه الكوميديا لا تصنع الأزمة الأخلاقية وإن شاركت فيها بقدرٍ طفيف.

التعدّي الصارخ واقعيًا -وغير الصارخ ظاهريًا- على الحواجز الأخلاقية للمجتمع قد يصنع نوعًا من التصالح المجتمعي معها، ليس فقط لصدورها من الآلة الإعلامية ولكن -أيضًا- لمعاينة الفرد هذا القدر الواسع من القبول الجماهيري

ونقول نحن أنّه من الجانب الظاهري: فإن ما يُقال في هذا البرنامج لا يُقارن بما نسمعه في غيرِه من المجال العام، لكن، وفي حقيقة الظاهرة، فإن هذا التقارب السلوكي بين الخطاب الإعلامي والبذاءة السوقية يصنع نوعًا مُخيفًا من التماهي معها، هذا التماهي ليس مُخيفًا في ذاتِه، وإنما في تعبيره الضمني عن أن ما يحدث في الشارع أو في المقهى بين الأصدقاء، من الخروج عن الإطار الأخلاقي للحديث، هو أمر طبيعي. فبدلًا من أن يتعامل الإعلام مع الواقع بنظرة المُصلِح الواقعي -دون مثالية الإنكار لعيوبِه على الجهة المقابلة- فإنه يُبدّل الأدوار ويخضع هو لتأثير المجتمع عليه. بل، والأدهى من ذلك، أنّه يُصدِّر هذا السلوك كأنسب وسيلة للتعامل مع سخافة الواقع وأزماته، واضعين الالتزام الأخلاقي للفرد على المحكّ، أو كرد فعل للمؤثرات الخارجية وليس حاكمًا عليها.

هذا التعدّي الصارخ واقعيًا -وغير الصارخ ظاهريًا- على الحواجز الأخلاقية للمجتمع قد يصنع نوعًا من التصالح المجتمعي معها، ليس فقط لصدورها من الآلة الإعلامية التي تمتلك الكثير من زمام السيطرة على العقول والسلوكيات، ولكن -أيضًا- لمعاينة الفرد هذا القدر الواسع من القبول الجماهيري لما كان يخجل من قولِه أمام ذويه، بل أنّ ذويه أنفسهم قد يشاهدون معه العرض الكوميدي ويضحكون على إيحاءاته بإدراك ما يُخفيه الإيحاء، فتسقط عنده كلّ الحدود الأخلاقية التي كان يخشى اجتيازها. 

بالطبع لا يصحّ أن يلتزم الإنسان حدوده الأخلاقية وفقًا لسلوكيات الآخرين ورفضهم أو تقبّلهم لذلك، لكن وجود حالة مجتمعية واسعة من الرفض لكل ابتذال يصنع حواجزًا معنويةً أمام الفرد تحجبه من اجتياز المحظور مهما كان متفلِّتًا ذاتيًا، بما يحفظ للمجتمع تماسكه العام في النطاق الأخلاقي.
هذه الحالة المجتمعية تفقد تماسكها وتتفكك تدريجيًا تحت وطأة الاختراق الدائم لهذا الابتذال. بل إن هذا الابتذال لن يلبث أن يتحوّل إلى سلوكٍ طبيعي مع الوقت، وغياب الإنكار المجتمعي، واضمحلال المراقبة الذاتية؛ نتيجة التغييب المتزايد للخطاب الأخلاقي وانتشار التجاوزات -على الجهة الأخرى- إعلاميًا وفنّيًا في المجالات المختلفة تحت دعاوى تحرير الفن من الالتزامات والقيود!

هذه العروض الكوميدية التي تدّعي التخفيف عن الناس لا تُخفِّفهم إلا من حيائهم وتراثهم الأخلاقي والديني، ولا تُعطِيهم في المقابل أي شيء إيجابي عدا الآثار الصحيّة لهذه الضحكات التي كانت لتأتي دون هذا القدر الصارخ من الابتذال

فإجمالًا وتلخيصًا:
إن هذا السلوك المُتدنّي في المادة المُصدّرة للجمهور سيُفضـي مع الوقتِ إلى اعتياده وتمريرِه، ثم يتبع الاعتياد تصالحٌ، يتبعه إخراجٌ للابتذال من دائرة المحظورات الاجتماعية، بأن يسقطه كلٌّ من دائرته الفردية أولًا، فيتهدد التماسك الأخلاقي للمجتمع، بما في ذلك أخلاقيات الحفاظ على استمراره كالمروءة والحياء واحترام خصوصيات الناس، وانحسار تدريجي لسيطرة التقويم المجتمعي من أمرٍ بالخيرِ ونهيٍ عن الموبقات.

هذه العروض الكوميدية التي تدّعي التخفيف عن الناس لا تُخفِّفهم إلا من حيائهم وتراثهم الأخلاقي والديني، ولا تُعطِيهم في المقابل أي شيء إيجابي عدا الآثار الصحيّة لهذه الضحكات التي كانت لتأتي دون هذا القدر الصارخ من الابتذال. هذا -للمرة الثانية- مع اجتناب سوء الظنّ بالقائمين عليها، الذين لا أجد لحُسنِ الظنِّ إليهم سبيلًا، ولكنّها خشية الحكم على دواخل الناس.

أخيرًا: فإنه لن يمكن أبدًا التصالح مع هذا السلوك في التعامل مع المؤثّرات بأي وجهٍ من الوجوه؛ لأنّه -دائمًا- لا يصحّ إلا الصحيح والله أعلم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دعت صحيفة تايمز البريطانية الغرب للعمل مع الحلفاء العرب لمواجهة تخريب إيران للمنطقة، موضحة أن إيران لا تزال دولة مارقة وستظل كذلك رغم رفض غالبية الشعب الإيراني "الحكم الكهنوتي" فيها.

شارك عشرات الشبان المغاربة في وقفة احتجاجية بمدينة طنجة شمالي البلاد للمطالبة بإطلاق سراح مدونين اعتقلوا في قضية "الإشادة" باغتيال السفير الروسي في تركيا أندريه كارلوف، على مواقع التواصل الاجتماعي.

كشف المغني البريطاني الشهير يوسف إسلام عن مشاريع فنية تولي اهتماما خاصا للأطفال، وزار تركيا للتعريف بكتابه "لماذا ما زلت أحمل غيتارا؟ رحلة الهداية من كات ستيفينز إلى يوسف إسلام".

الأكثر قراءة