الطفرة السوسيولوجية.. الدولة الحديثة في الصومال

تكاد الأزمة العامة التي يعيشها المجتمع الصومالي تتركز كليا على الدولة، حيث نعتقد أن فهم مشكلة الدولة وبحث السيرورة التاريخية للفعل السياسي والسلطوي اللذان يحكمان نشأة الدولة، تضعنا أمام النقطة الأصلية والمركزية في محنتنا الواقعية. ولا سيما إذا حدث تحولات ثقافية وسوسيوسياسية مما يجعل المجتمع يعيش في حالة من الطفرة التي تصيب البينات المختلفة للمجتمع. وكما يبدوا في تاريخنا الثقافي والسياسي والاجتماعي أن نشوء الدولة القومية كانت بمثابة طفرة أصابت الجسم الاجتماعي، ومنها نشأة مشكلة الدولة.

وإن مشكلة الدولة الحديثة ليست مشكلة سياسية نخبوية أو ما يعرف بأزمة القادة فحسب، بل هناك جذور ثقافية وسياسية واجتماعية تقف وراء التناقض بين الدولة القومية الحديثة وبين ما نسميه بـ سوسيوسياسي أي الثقافة الاجتماعية التي تكوّن الفعل السياسي، مما يعني أن ثقافة الفعل السياسي للمجتمعات التي تعرضت للاستعمار ومنها الصومال بصورة خاصة لم تتوافق بصورة كلية تلك الثقافة الوافدة ومنها الدولة الحديثة البيروقراطية. وبالتالي فإن أي محاولة تحديثية ستؤول إلى الفشل أو سيحدث تشويه، وهي في الحقيقة تدجين الحداثة وإخضاعها للنظام القديم، حتى ينسجم مع البنيات الاجتماعية الأخرى، بنية القبيلة بالذات، أحزاب العشائرية، الفيدرالية العشائرية كلها دليل على محاولة تدجين التحديث وإدخاله في السياق الاجتماعي والثقافي المحلي. وهذا يشير إلى التناقض الموجود بين التحديث ومؤسساتها وبين الثقافة المحلية ومؤسساتها. وهذا هو سبب انهيار الدولة الصومالية الحديثة.
 

مشروع الدولنة كان مشروعا إقصائي لا يسعى إلى استيعاب واندماج كل الفئات الصومالية، حيث تم تهميش قبائل كان لها دوراً ثقافي وحضاري، لكنها خرجت من الساحة لأسباب مختلفة، واستحوذت القبائل الرعوية مشروع الدولة والقومية.

مفهوم الدولة القطرية القومية مفهوم معاصر يحمل طياته ثقافة وتصورات معينة، لأن كل المفاهيم الاجتماعية والثقافية ليس بريئة بل تحمل حمولات ثقافية واجتماعية، وبالتالي فإن مفهوم الدولة وإن كانت المجتمعات البشرية مجتمعات سياسية كما ذهب إليها أرسطو، فإن مفهوم الدولة بصورتها معاصرة هي نتيجة صيرورة ثقافية واجتماعية حدثت في داخل المجتمعات الرأسمالية، وإن الاستعمار فرض على المجتمعات المستعمرة على هذه النظام. حيث كان مفهوم الدولة من قبل الاستعمار محصورا فقط على الإمارة المستوردة فعلا من التحضر العربي الإسلامي، وتحول فيما بعد مجرد إدارة مصالح العشيرة بعدما انقرضت الإمارات الإسلامية. تفرض الأسرة أو العشيرة التي تمتلك القوة ثقافتها وإدارتها على الجماعات الأخرى ومن هنا تم تأسيس تحالفات تحولت إلى عشيرة.

هناك قوة تاريخية أسست الدولة الحديثة في الصومال وهي القوة التاريخية التي شكلت صورة الدولة والثقافة القومية: وهما الاستعمار والعشائر الرعوية. تقطن القومية الصومالية (الناطقة باللغة الصومالية) مساحة قدرها مليون كلم مربع ويطلق عليها تقليديا الصومال الكبير، وتعرضت هذه الأراضي بعدة حملات نتيجة الحروب الطاحنة التي حدثت بين السلطنات الإسلامية وبين مملكة الحبشة المسيحية، وأول حملة أوروبية كانت الحملة البرتغالية حليفة الحبشة المسيحية ١٤٨٧م، امتد الصراع بين الحبشة وبين الإمارات الإسلامية لأربعة قرون، كانت استنزافا على جميع الأطراف وبالأخص الطرف الصومالي، حيث تم حرق أكبر مدينتن بربره وزيلع وهرر وبعض المدن الواقعة في الحدود الإثيوبية الصومالية. هذه الحملات وهذه الصراعات ادت الى تضعيف القوة الثقافية والاجتماعية التي كانت تحكم مناطقا مهمه في الصومال، والتي كانت تمتلك خبرة سياسية وإدارية أكثر تقدما من الجماعات الرعوية.
 

ينطوي في داخل الجماعات الرعوية القبائل التي استلمت مقاليد إدارة الدولة القومية الحديثة، وهي تمكنت في الوصول إلى سلطة السياسية والثقافية بعد انهيار كل السلطنات السياسية بأسباب منها: المجاعات التي ضربت مناطق الشمال ولحق بها أمراض أدت إلى هجرة واسعة اتجهت نحو الجنوب، والأمر الثاني: الحروب والصراعات الداخلية والخارجية مما أضعف السلطنات الإسلامية. من خلال هذه الأسباب تمكنت الجماعات الرعوية التي لم تتعرض لاستنزاف مثل ما لحق سلطنة عدل وسلطنة اجوران التي أسسها صوماليون ومهاجرون من سلالة زيد بن علي وغيرهم من المهاجرين العرب وكذلك مملكة إفات( Cabdalla C. M. 2016). وبالتالي قدوم الاستعمار كانت مرحلة فاصلة في التاريخ السياسي للمجتمع الصومالي، حيث قام الاستعمار توطيد قوة العشائر الرعوية التي استطاعت أن تفرض نفسها بعد أن استنزفت وانقرضت الجماعات الأخرى.

الاستعمار الثلاثي "البريطاني والإيطالي والفرنسي" كان مهتما بالسواحل الصومالية أكثر من المناطق الواقعة في الداخل، حيث يعرف أن سكان هذه السواحل هم جماعات اشتهرت بالتجارة والانفتاح، لكن بسبب الحروب هاجر معظمهم إلى الجنوب خوفا من الحملات الصليبية مثل ما حدث في بربرة ١٥١٧، وحرق بعض المدن بعدما انتصرت الحبشة على الجيوش الإسلامية وقتل أميرة سلطنة أفات الذي كان يدعى سعاد الدين سنة ١٤١٥. ومن خلال الهجرة تم التداخل بين الجماعات الرعوية مع باقي الجماعات الأخرى (المزارعون والتجار)، فاستطاعت الجماعات الرعوية هيمنة هذه الأقاليم.
 

الاستعمار كالعادة يقوم بتوقيع اتفاقيات ومعاهدات مع العشائر ويقدم هدايا وأموال ضخمة لوجهاء العشائر المهيمنة، مما يثبت مكانتها الثقافية والاجتماعية، وبالتالي يتعاون معهم في كسر شوكة الثورات وإخمادها مثل ثورة الدراويش. ومن الناحية الأخرى لم يبدي الاستعمار أي اهتمام يذكر في تحديث المجتمع، رغم النزاعات الدينية التي وقفت أمام بعض محاولات الاستعمار في فتح المدارس التعليمية، وذلك بانتشار هاجس التنصير وقدوم المبشرين مما جعل العشائر تتمسك رفض مدارس الاستعمار، ويبدوا أن الاستعمار بحد ذاته لم يكن جادا في هذه المسالة، حيث لم يترك جامعة ولا مدارس في داخل الوطن، غير أنه كان يرسل البعثات والطلاب إلى مناطق أخرى مثل عدن والسودان، ومن هنا فقد ضاعت فرصة التحديث الذي كان من الممكن أن يغير علاقة الدولة الحديثة مع المؤسسات الاجتماعية التقليدية.
 

العلاقة بين القبيلة والدولة تتغير حسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تطرأ على البنية الاجتماعية، وكذلك التحول الاقتصادي، يمكن له تغير التضامن التقليدي الاقتصادي الذي يرسخ سلطة العشيرة على الإفراد.

وفي النهاية قام الاستعمار بتجهيز النخب السياسية التي ستقود الدولة بعده، مع إهمال تام لكافة البنيات الاجتماعية والثقافية، وفي هذا المنوال استمرت القيادات السياسية الصومالية إدارة الدولة. لأول مرة في تاريخ الصومالي يحضر الجميع ميلاد مشروع الدولة والقومية (الجمهورية الصومالية عام ١٩٦٠)، هذا في الحقيقة طفرة نوعية اسميها الطفرة السوسيوسياسية. حكومة تمثل القومية الصومالية، ودعوات في تحرير باقي الأراضي الصومالية المفقودة، كل هذا يحدث دون توصيف وتعريف الهوية القومية الصومالية، من هو الصومالي؟ وحتى الآن يبدوا أن مشكلة الهوية القومية قائمة.
 

في الختام:
إن مشروع الدولنة كان مشروعا إقصائي لا يسعى إلى استيعاب واندماج كل الفئات الصومالية، حيث تم تهميش قبائل كان لها دوراً ثقافي وحضاري، لكنها خرجت من الساحة لأسباب مختلفة، واستحوذت القبائل الرعوية وبالأخص "هوية ودارود واساق" مشروع الدولة والقومية. وتجسد التهميش في جسد الدولة والقومية عندما استخدم عبارة ناقة مانديق Hashii Mandeeq ومانديق هي تشبيه الدولة بـ ناقة، والمعروف أن بعض الصوماليين لا يعتبرون الإبل والرعي ثقافة لهم، وكما هو معروف في تاريخنا أن شعلة التحضر بدأت من السواحل ولم تأت من البواد.

وأعتقد أن العلاقة بين القبيلة والدولة تتغير حسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تطرأ على البنية الاجتماعية، وكذلك التحول الاقتصادي، يمكن له تغير التضامن التقليدي الاقتصادي الذي يرسخ سلطة العشيرة على الإفراد. ومن خلال هذه التحولات من المعقول أن يحدث تفاعلا إيجابيا بين الدولة القومية الحديثة وبين المجتمع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتوسط العلم الصومالي الأزرق نجمة خماسية بيضاء ترمز إلى الأجزاء الخمسة التي قسم الاستعمار الصومال إليها، وهي ما يعرف بالصومال الكبير أي الأراضي الصومالية تاريخيا، الذي تقطنه القبائل الصومالية.

ينتشر الصوماليون في مساحة تقدر بنحو مليون كلم2 يُطلق عليها "الصومال الكبير" الذي تقع بعض أجزائه الآن غربي إثيوبيا وشمالي كينيا، وقد تعرضوا لهجمات استعمارية قسمت أرضهم وشتت شملهم.

عاصمة الصومال؛ تأسست في القرون الأولى من التاريخ الإسلامي فصارت مركزا لحكم ممالك إسلامية متعددة. خضعت للاحتلالين الإيطالي والبريطاني، وبعد ثلاثة عقود من استقلالها اندلعت فيها حرب أهلية مدمرة.

الأكثر قراءة