الانقسام الفلسطيني الحقيقي

للوهلة الأولى يبدو الحديث عن الانقسام الفلسطيني من الناحية الشعورية مزعجا، ومن الناحية السياسية مدمّرا، وكذلك الاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية بالنسبة للغزيين على الأقل. لكن من الناحية الواقعية نصطدم بضبابية فهم الغالب -بما في ذلك كثير من الفلسطينيين- لمفهوم ومعنى الانقسام، ومردّ ذلك هو الجهل بتاريخه، عند تعريف المصطلح ابتداءً من السهل القول بأنه حالة الاحتراب العسكري التي حصلت في قطاع غزة في حزيران 2007م، والتي تلت الخلافات بين حماس وفتح على شكل السلطة والحكومة الفلسطينية عقب فوز حركة حماس بغالبية أصوات الفلسطينيين في انتخابات المجلس التشريعي يناير 2006م.
قد يكون هذا الكلام صحيحاً بمفهومه الإداري، حيث ولأول مرة منذ قيام السلطة الفلسطينية عقب اتفاقية أوسلو يحصل أن تتشكل حكومتان منفصلتان، وهذا أبسط أوجه الانقسام الذي عانى منه الفلسطينيون، ففي النهاية ما هو إلا انقسام في ظلال سلطة حكم ذاتي، أكبر من بلدية بقليل وأقل من سلطة حقيقية بكثير.

النظرة الحقيقية والمنصفة لمسألة الانقسام الفلسطيني، هي النظرة التي ترجع إلى الوراء، منذ القرن الماضي، أي منذ بداية فصول النكبة الفلسطينية، من وعد بلفوز 1917م، مروراً بثوراتٍ وانتفاضاتٍ طاهرة، وإجهاضاتٍ محلية وإقليمية ماكرة، والنكبة والنكسة وبينهما منظمة التحرير وصولا لانطلاق الانتفاضة الثانية وتتويجها بما يتناقض معها موضوعيا وذاتيا والحديث هنا عن لقاءات مدريد وواشنطن وصولا لأوسلو، وانتفاضة الأقصى عام 2000م، والمحطة التي لا زلنا نعيش آثارها الانتخابات التشريعية 2006م.

تجمع حماس وفتح يبدو أصعب من أن تجمع الماء بالنار، لأن كلا الطرفين باختصار المصالحة بالنسبة له، أن يجر الطرف الثاني إلى مربعه تماما، وهذا أمر بالغ الصعوبة إذا لم يكن مستحيلا.

كل المحطات السابقة -وغيرها- شهدت انقسامات فلسطينية حادّة، ويمكن الجزم بأن الفلسطينيين لم يسجلوا ولو مرة واحدة، توحدا في الموقف والقرار أمام أي محطة أو تحدٍ من التحديات الجلل التي واكبتها القضية الفلسطينية، رغم أن الظروف الموضوعية تشي بأن الوحدة ورص الصفوف أولوية لا بد منها في وجه مؤامرة عالمية حيكت ضد الفلسطينيين فهجّرتهم، وضد أرضهم فاحتلتها، وضد قرارهم ففتتوه.

إن الاستعراض التاريخي لمواقف الفلسطينيين من خطوات الاستعمار البريطاني الماكرة وخصوصا تلك التي تعلقت بترسيخ الوجود الصهيوني على الأرض الفلسطينية، يدلنا على اختلاف كبير بين ممثلي الفلسطينيين آنذاك، فالحسينيون مثلاً كان لهم موقف رافض ومشكك، فيما تمسّك النشاشيبيون بأمل الاستقلال يوماً عبر الوعود الاستعمارية، وكان هذان الرأيان في جهة والمقاومة المسلحة في جهة أخرى كذلك!، وبالتالي كان هناك انقسام داخل انقسام أكبر منه!

جاءت منظمة التحرير كخيار عربي عبر جامعة الدول العربية، كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين، ولم تحظ هذه المنظمة بالإجماع رغم ما حظيت به من اعتراف وتمويل! أما مشهد الانقسام الأبرز، فهو بلا شك اتفاقية أوسلو، التي مزقت شتات الفلسطينيين، بل وأصابت وعيهم الجمعي في مقتل، لأنها ولأول مرة أعطت اعترافا بشرعية الاحتلال وليس اقرارا بوجوده المفروض فقط!

جلس الفرقاء الفلسطينيون عشرات المرات من القاهرة إلى دمشق إلى الدوحة وصنعاء وحتى مكة، ورغم أن التوصل إلى حل كان يبدو سهلا نظريا، لكن الواقع كان أكثر تعقيداً، حتى وصل الشعب الفلسطيني إلى حالة اليأس، وعدم الاكتراث بما تحمله جلسات المصالحة المتكررة.

فإن تجمع حماس وفتح يبدو أصعب من أن تجمع الماء بالنار، لأن كلا الطرفين باختصار المصالحة بالنسبة له، أن يجر الطرف الثاني إلى مربعه تماما، وهذا أمر بالغ الصعوبة إذا لم يكن مستحيلا، فالمقاومة بالنسبة لفتح ليست أكثر من تجربة عبثية، والمفاوضات بالنسبة لحماس عبثية أكثر من العبث ذاته! ما الحل إذا؟! وكيف السبيل إلى الوفاق والاتفاق! سؤال صعب.. أليس كذلك؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة