الإسلامي ليس الحل أحيانا

الإسلام هو دين يطرح تصوراً شمولياً للوجود، ومنطق للحياة يُشكلها مجموعة من القيم والمبادئ المتماسكة. وهو دين جوهره يتجاوز الطقوس، وينطلق إلى عوالم الإيمان العميق والتأمل والفلسفة وإعمال العقل والتجديد والتفكير ومسئولية الأطروحات الحضارية والثقافية المستمرة. ولذا فإن ممارسة الإسلام تنطلق من الطقوس إلى آفاق المساهمة الحضارية والثقافية، وتقديم الأطروحات المبدعة للإطار الزمني الذي نعيشه. 

الإسلام دين لا يتعلق فقط بالإيمان المجرد، ولكنه شديد الارتباط بالأفعال والوجود والتعامل المتجدد مع الحياة. الإسلام دين حياة، وقيمة رائعة في الفلسفة النابعة من قيم الإسلام لها علاقة بعلاقة الجزء والكل. عبقرية ان الجزء دائما منتمي إلى كل وأن كل الأجزاء تساهم في تكوين الكل. البديع ان نجد في فلسفة الإسلام مبادئ لإنتاج العمارة والعمران تفتح آفاقاً إبداعية لانهائية. تأمل على سبيل المثال فكرة أن العمارة اجتهادا يحاول أن يماثل الجنة، ويتشابه مع تصوراتنا عنها، في أنها مكان لروح الإنسان وعقله وجسده يجد فيها المأوى والسعادة والامان والشفاء الروحي والوجداني.

لقدأصبحت بلداننا العربية متخمة بأمثلة من المباني التي يدعى مصمموها الانتماء إلى العمارة الإسلامية لمجرد استخدام معالجات سطحية من عقود دائرية ومشربيات خشبية وزخارف حجرية!

هذه القيمة لا تنتج شكلاً معيناً واحداً وقالباً جامداً، ولكنها قيمة نوعية يمكن للعقول المبدعة أن تترجمها في أشكال لا نهائية وتعبيرات فراغية شديدة التعدد والتنوع. إذن تشكل المعتقدات الإسلامية المنطق والأساليب التي يمارس من خلالها المجتمعات الإسلامية فعل البناء والتطوير والعمران. وفي الوقت ذاته يحترم العصر وإيقاعه ومتطلباته كما يحترم السياق ومعطياته ويستجيب للتطلعات وللطموحات التي تتوق إليها الجماعات الإنسانية.
 

العمارة الإسلامية أم عمارة المسلمين أم عمارة المجتمعات الإسلامية
إذا كانت العقيدة الإسلامية تُلهم العمارة، والعمارة منتج إبداعي فني تقني تكنولوجي عصري اقتصادي ثقافي بيئي، فقد يكون من اللا منطق أن نفترض أن هناك عمارة يمكن أن توصف بأنها عمارة إسلامية لها عناصر مادية ثابتة لا يمكن تجاوزها، حتى على مدار الزمان والحقبات الماضية والحالية والمستقبلية. إن تعبيرات مثل المدينة الإسلامية، الفن الإسلامي، الجامعة الإسلامية، المنزل الإسلامي أحدثت الكثير من التخبط والتشتت في فهم دورنا المعاصر ومساهمتنا الحضارية الآنية.

ما معنى إضافة صفة قد تفسر بالثبات (الدين) لكيانات يجب أن تتميز بالديناميكية والتحول والتغير والتطور (العمارة والمدينة)؟ إذن علاقتنا بالجامعة والعمارة والمدينة والمنزل والفن يجب أن تنطلق من منظور فهماً عميقاً لأن الإسلام دافع للتطوير والإبداع وليس إطاراً حاكماً منظماً حتى لإنتاج منزل أو رسم لوحة أو لتخطيط جزء من مدينة في القرن الواحد والعشرين.

لا إسلامية العمارة والمدينة
من منظور المسؤولية المعاصرة، وأيضا الكيفية التي سيوثق بها عصرنا تاريخياً، يجب أن نرفض استخدام مصطلح العمارة الإسلامية والمدينة الإسلامية لأنها أصبحت تعبيرات مثير للجدل والدجل معاً. لقدأصبحت بلداننا العربية متخمة بأمثلة من المباني التي يدعى مصمموها الانتماء إلى العمارة الإسلامية لمجرد استخدام معالجات سطحية من عقود دائرية ومشربيات خشبية وزخارف حجرية. هذه ليست عمارة إسلامية، وأحيانا لا تستحق حتى لفظ العمارة لأنها مجرد مباني نفعية زيف شكلها الخارجي بجرعات من المكياج المعماري الإسلامي.

إن التعبير الأفضل لما يجب أن نركز عليه هو عمارة المجتمعات الإسلامية لأنها بالفعل تعبير عن مجتمعات متعددة توحدها العقيدة، وبالتالي فإن المنطقي أن تتنوع مبانيها وأنماط عمارتها المحلية. تعبير عمارة إسلامية أو مدينة إسلامية يحاصرنا ولكننا نتطلع إلى عمارة وعمران تتسق مع العقيدة ومع الإنسان ومع المجتمع ومع السياق ومع الزمن.

المعماري المسلم المعاصر يجب أن يحركه رغبة ملحة في الإبداع، وفي وضع بصمة جديدة في مسار التاريخ تشهد على استمرارية قيمة الإبداع وليس استمرارية الطراز.

وهو الأمر الموثق في عمارة المجتمعات الإسلامية من مراكش إلى المنامة ومن مالي إلى كازاخستان. تلك المجتمعات التي استخدمت المواد والتقنيات المتاحة حولها والقيم الجمالية والتعبيرية في مجتمعها. إذن عمارة المجتمعات الاسلامية هي الفضاءات العامة والخاصة، المفتوحة والمغلقة التي تشكل الإطار المكاني المُفعل للعقيدة والمُلتزم بمبادئها وقيمها الأساسية. بعض الوظائف تنتج من علاقة مباشرة مع العقيدة مثل المسجد ومتطلباته، وبعضها من المجتمع وتطلعاته التي تتطور و تتغير جذريا مع تغير العصر وايقاعاته.

بديهياً أيضا يجب أن نفرق بين الإنتاج المعماري والعمراني بإجماله وبين العلامات الفارقة في النسيج العمراني لمدينة ما. مثلا، مسجد ابن طولون في القاهرة أو مدارس سمرقند أو مساجد كازاخستان أو مسجد الشاه في أصفهان أو قصر الحمراء في غرناطة، إسبانيا، هي مبان فارقة تستخدم دائماً للتعبير عن عبقرية العمارة في المجتمعات الإسلامية المتنوعة.

ولكننا يجب أن نتذكر أن فلسفة الإسلام ترتكز على التواضع، وتواضع البيئة المبنية جزءاً من هذا التواضع، وبالتالي فإن المساجد العملاقة والقصور الفارهة الموثقة تاريخيا هي الاستثناء، وليست كلية البيئة المبنية التي أنتجت حتى في عصور معينة ازدهرت فيها قيم الإسلام. كما أننا أيضا نتجاهل أمرين مهمين: الأول أن هذه أعمالا استثنائية وليست تعبيراً عاماً عن حالة العمارة والعمران. والثاني: أن هذه النماذج بها درجات من التنوع الشكلي والجمالي والفراغي الذي يؤكد صعوبة وجود معادلة واحدة فقط يمكن أن توصف بأنها العمارة الإسلامية.

الإبداع والتجديد عبادة
"العمل عبادة"، مقولة أتيقن دائماً أن التفسير العميق لها يتضمن التحريض على الإبداع والتجديد والتجويد وأن تتم كل هذه الأنشطة في إطار مقدس. نعم نتعامل مع التراث ونتعلم منه ومع كل منتجات الحقبات التاريخية المختلفة، ولكن ليس من أجل البحث عن أشكال لتكرارها وحلول لنفرضها فرضاً ونصفها بالإسلامية فيشتبه الأمر على الإنسان، وكأنه يتحدث عن نصوص مقدسة.

إذن البحث يجب أن يكون عن مفاهيم وعلاقات وركائز للإلهام وروافد للتجديد والإبداع. يجب أن ندرس التراث في محاولة للإجابة وفهم للتساؤل المهم: ما هي العوامل والكيفية التي جعلت البيئة المبنية في عصر ما تتشكل بهذا المنطق الموثق في تراثنا؟ وهذه تساؤلات فلسفية فكرية وليست شكلية بصرية وبالتالي فهي لا تنتج طرازاً أو شكلاً ولكنها تنتج منهجاً جديداً أو بالأحرى مناهجاً جديدة للتعامل مع العمارة والعمران في اللحظة المعاصرة.

المنطق الإبداعي التجديدي الذي ندعو له يتجاوز مجرد إلصاق الصفة الإسلامية على مبان وفضاءات سطحية العلاقة بالمفاهيم العميقة للعقيدة. لا نريد أيضا أن نصبح ضحايا أطُر شكلية محددة ومعالجات بصرية مُلزمة. المعماريون المسلمون المجددون يجب ألا يحاصروا أنفسهم في قوالب تاريخية ولكن يجب أن يتعلموا من مفاهيم وأنساق فكرية وأطروحات فلسفية يستدل عليها من فصول التاريخ.

ما معنى إضافة صفة قد تفسر بالثبات (الدين) لكيانات يجب أن تتميز بالديناميكية والتحول والتغير والتطور (العمارة والمدينة)؟

إذن المطلوب جهداً مخلصاً لفهم جوهر العقيدة في نطاق البناء والعمران والعمارة ثم الحرص على استمرارية التعبير المبدع المتنوع المعاصر عن هذا الفهم. يجب عليهم الوعي الكامل بأن "عمارة المجتمعات الإسلامية" هي الحل وليس "العمارة الاسلامية"، لأن الاولى تتيح التنوع والتعدد بقدر اختلاف وتعدد هذه المجتمعات وملامحها ومكوناتها ومقوماتها وتحدياتها.

المعماري المسلم المعاصر يجب أن يحركه رغبة ملحة في الإبداع، وفي وضع بصمة جديدة في مسار التاريخ تشهد على استمرارية قيمة الإبداع وليس استمرارية الطراز. ويجب عليه أن يتحلى بالمسؤولية نحو التميز وإدراك لقيمة دوره الجزئي الصغير في المنظومة الكبيرة التي تعبر عن تفاعل الدين والمجتمع والإنسان في لحظة ما وفي مكان ما، وبما يوثق في كل فصول التاريخ الذي سيكتب لاحقا أن أمة المسلمين هي بالقطع أمة مبدعة مجددة متسائلة متواثبة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بدأت في الرياض أعمال القمة الخليجية-الأميركية بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث ستتناول السياسات المشتركة والتعاون بشأن مسائل إقليمية، أبرزها السياسات الإيرانية والوضع في اليمن وسوريا والشرق الأوسط.

الأكثر قراءة