ازرع قنابل موقوتة.. وصية المفكر الزئبقي

ما زلت مصرًا على قلة جدوى التعامل السطحي مع الخطاب العلماني وأهمية مناقشة أطروحاته تفصيليًا. وفي السطور القادمة نناقش نموذجًا تطبيقيًا -عرضه أحد أكبر منظريهم- على منهجية التعامل مع النصوص الدينية ذات الدلالة القطعية، وكيفية إهدارهم لأحكام شرعية بشبهات واهية، ولكنها للأسف تنطلي على عامة المثقفين الذين يفتقرون إلى التأصيل الشرعي للمناهج والأفكار.

يقول الدكتور نصر أبو زيد في كتابه "نقد الخطاب الديني": "ولقضية ميراث البنات شقان غير منفصلين: يتعلق الشق الأول بقضية المرأة عمومًا ووضعيتها في الإسلام، ويتعلق الشق الثاني بقضية الميراث في كليتها كما عبرت عنها النصوص والمعاني واضحة في أن النصوص لا تساوي بين الرجل والمرأة في الميراث فقط بل في جميع التشريعات وإن كانت تساوى بينهما في العلم والجزاء الدينيين.

وفي قضية المواريث أيضًا لا خلاف حول المعاني، فعلاقات العصبية الأبوية تمثل معيار التقسيم في الأنصبة، وقد كانت الخلافات في مجال الميراث -الذي صار يشار إليه باسم الفروض – تحسم استنادًا إلى معيار العلاقات العصبية الأبوية.. لكن الدراسات الحديثة لا تتعامل مع النصوص من خلال المذكور فقط، بل تعطي اهتمامًا للمضمر والمسكوت عنه، والمدلول عليه بطريقة ما في الخطاب ذاته..

والمسكوت عنه في الخطاب يمثل أحد آليات النص في التشكيل بما هو جزء من بنيته الدلالية وقد يكون المسكوت عنه مدلولًا عليه في الخطاب بطريقة ضمنية، وقد يكون مدلولًا عليه بالسياق الخارجي، وكلتا الطريقتين في الدلالة على المسكوت عنه موجودة في القضايا التي نناقشها الآن، فالمسكوت عنه المدلول عليه في السياق الخارجي نجده في قضايا المرأة عمومًا وفي مسألة نصيبها في الميراث خصوصًا أما المسكوت عنه المدلول عليه في الخطاب ضمنيا فنجده في قضية المواريث بشكل عام".

هل نجعل العصـرانيين من الجاهليين الذين تركوا العقل لما نصبوا أنفسهم دعاة للسفور والتبرج؟ وهل من العدل أن يزني الرجل بحليلة جاره ولا يكون عليه عقوبة، إذا لم يرفع الزوج شكواه إلى القاضي؟

والجواب على هذه الشبهة كالآتي:
ميراث البنات هو المثال التطبيقي الذي ذكره الدكتور نصـر أبو زيد، وهو يوضح حقيقة النظرية التأويلية التي يسعى في إثباتها بكل طريق. ومن خلال ذلك المثال أيضًا نستطيع أن نتبين فساد تلك النظرية، ويتضح ذلك جليًا فيما يلي:

أولًا: لم يطبق نصر أبو زيد الحركة البندولية التي اخترعها، والتي جعلها شرطًا لمن أراد أن ينجو من وهدة التلوين وتكون قراءته غير مغرضة، وإن كانت غير بريئة على حد تعبيره. فالدكتور لم يوضح لنا كيف وضع المغزى الذي يشير إلى الواقع الحالي كنقطة بداية، وكيف انطلق منها ليكتشف الدلالة التاريخية، وكيف عاد مرة أخرى إلى المغزى ليعدل من نقطة البداية.

ثانيًا: الدكتور يعترف اعترافًا لمواربة فيه ولا غموض بأن المعاني واضحة في أن النصوص لا تساوي بين الرجل والمرأة في الميراث فقط، بل في جميع التشريعات، وإن كانت تساوي بينهما في العلم والجزاء الدينيين. فهل تترك تلك المعاني الواضحة للنصوص، ويبحث عن مغزى لها غير واضح، ومختلف فيه بين العصرانين أنفسهم؟!

ثالثًا: وضوح تلك المعاني بهذه الصورة يضع الخطاب في خانة النصوص، بالمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين، أي الأدلة المقطوع بدلالتها دون أدنى احتمال. وهذا يبطل القول بندرة النصوص من جهة، ومن جهة أخرى يبطل الكلام حول النصوص من الأساس، لا حول ندرتها فقط؛ لأنه لا فائدة إذن من وضوح المعاني وعدم ورود الاحتمال عليها، لأن تلك الدلالة ستطرح ويصار إلى المغزى، فلا فرق بين النص، والظاهر، والمجمل، والمؤول، فالكل تحت سيف التأويل عند العصرانيين.

رابعًا: إذا اختلفنا في هذا المسكوت عنه والمضمر في الخطاب من حيث وجوده وعدمه، أو اختلف العصرانيون فيما بينهم في تحديده فما الحكم؟ وما المعيار في الحكم؟ وهل يكون مغزى بهذا الشكل محددًا أكثر انضباطًا لمقاصد الوحي الفعلية، كما يزعم الدكتور نصر أبو زيد؟

خامسًا: هل نعتبر العصرانية طريقة باطنية جديدة تؤمن أن للنص ظاهر يعلمه العوام وباطن لا يعلمه إلا الخواص؟ وهذا ما صرح به الدكتور نصـر أبو زيد حين قال: "إن التفرقة الصوفية بين مستويي الظاهر والباطن في تأويل النصوص يمكن أن تفيد في توضيح علاقة الدلالة بالمغزى، بشرط أن تنفي عنها الحكم القيمي المتمثل في علاقة الأدنى/الأعلى في التراث الصوفي". وإذا قلنا أن العصرانيين هم الخواص، فهل نعتبر هذا كهنوت كنسي جديد، يفرض علينا أن كلامه هو المحقق لمقاصد الوحي الفعلية؟

سادسًا: مما يؤكد عدم علمية البحث، ويبرز التلاعب بأحكام الشـرع، طرح قضية ميراث البنات على صور واحدة، وهي أن للذكر مثل حظ الأنثيين، في حين أن هذه حالة من حالات متعددة قد تأخذ البنت في إحداها الميراث كاملًا، وقد يكون نصيبها أكثر من الذكور، فأين الدراسة العلمية لتلك الحالات.

سابعًا: من قال إن المساواة بين الرجل والمرأة من المضمر في النصوص، الذي يحقق العدل المنافي للظلم، ومقتضى العقل المنافي للجاهلية؟! إن العقل يقتضي المساواة بين المتماثلين، والتفرقة بين المختلفين، ولما كان الاختلاف بين الرجل والمرأة لاينكره عاقل أتى الشرع بالتفرقة بينهما في جميع التشريعات، بخلاف الجزاء فإنه لا يختلف كما هو معلوم.

ثامنًا: وإذا كان المضمر الكلي في الخطاب يتحرك في اتجاه تحرير الإنسان -الرجل والمرأة- من أسر الارتهان الاجتماعي والعقلي، ولهذا طرح "العقل" نقيضًا للجاهلية، والعدل نقيضًا للظلم، والحرية نقيضًا للعبودية، فما جوابهم على قوله تعالى: "وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ"، حيث جعل الله التبرج من سمات الجاهلية، والستر من العقل والفطرة؟!

فضل وسيلة للمواجهة هي استخدام أسلوب حرب العصابات. اضرب واجرِ. ازرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة تنفجر وقتما تنفجر، ليس المهم هو الوقت. المهم أن تغير الواقع والفكر.

فهل نجعل العصـرانيين من الجاهليين الذين تركوا العقل لما نصبوا أنفسهم دعاة للسفور والتبرج؟ وهل من العدل أن يزني الرجل بحليلة جاره ولا يكون عليه عقوبة، إذا لم يرفع الزوج شكواه إلى القاضي؟ وهل من الحرية أن يأتي الابن بعشيقته، أو تأتي البنت بعشيقها، أمام الوالدين دون أن يحق لهما قانونًا الاعتراض؟

تاسعًا: كيف يصح عقلًا الاستدلال بقوله -صلى الله عليه سلم-: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" على اتجاه تشريع الميراث نحو العدل وتوزيع الثروة؟ هذا يعني أن تشريعات الميراث الحالية لا تحقق العدل كما ينبغي، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وهل مغزى النص الواضح هو إلغاء تشريعات الميراث ليتحقق العدل ويتم توزيع الثروة؟!

تلك الأسئلة قد لا تجد إجابات واضحة، ولكن يمكن أن نفهم كيف يتحرك القوم من حديث الدكتور حسن حنفي في جريدة "أخبار الأدب" بتاريخ 28 / 12 / 2003 عن تجربته فقال متحدثًا عن الدكتور نصر حامد أبو زيد:
"قال أشياء كنت أتمنى أن أقولها، ولكن ربما استخدامي لآليات التخفي حال بين فهم ما أردت أن أقول. نحن مجموعة من الأفراد لو اصطادونا لتم تصفيتنا واحدًا واحدًا، ولذلك أرى أن أفضل وسيلة للمواجهة هي استخدام أسلوب حرب العصابات. اضرب واجرِ. ازرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة تنفجر وقتما تنفجر، ليس المهم هو الوقت. المهم أن تغير الواقع والفكر. ولذلك يسمونني: المفكر الزئبقي. لا أحد يستطيع أن يمسك علي شيئا. الجماعات الإسلامية تراني ماركسيًا. الشيوعيون يرون أني أصولي. الحكومة تتعامل على أنني شيوعي إخواني!".

إنها إذًا حرب عصابات تستهدف تغيير الواقع والفكر، فحيعلى على جهاد الحجة والبيان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتصاعد الجدل في روسيا حول دور الكنيسة الأرثوذكسية في الشأن السياسي العام، وسط اتهامات لها بتجاوز دورها الديني بإعلان مواقف سياسية، في تباين واضح بين الخطاب المعلن والتطبيق العملي.

رأى مراقبون في إعلان وزير الثقافة المصري حلمي النمنم انتقال ملف الخطاب الديني بالكامل إلى وزارة الإنتاج الحربي وقطاع الأمن؛ تزلفا للمؤسسة العسكرية، وبالون اختبار لإمكانية تنفيذه فعليا.

الأكثر قراءة