احتلال.. خمس نجوم

في زيارتي الأخيرة لرام الله، كانت كعادتها مُكتظة ونشطة جدًا لا تعرف الهدوء، كُلٌ في شغله إلا ثلّة من الشباب العاطلين يجلسون على حافّة الطريق في انتظار "اللاشيء"، وفي ناحية أخرى ثلّة من أهالي الأسرى يجتمعون في خيمة التضامن والناس عنهم في شُغل، تتأمل وجوههم فترى حجم الخيبة.. ليس من "أبو مازن" وزُمرته فحسب، بل منّا جميعًا.

 

رُحت اتأمل انشغالنا عنهم، فوجدت نفسي أستحضر مطعمًا فلسطينيًا يقدّم أكلات "فلسطينية" أصيلة في شارع ركب، لن أذكر اسمه هنا، دخلته أملًا في تذوّق زعتر فلسطيني احترافي فوجدتني اتذوّق الرأسماليّة على أصولها، والتي تنخر بما تبقّى من هذه البلاد، وكيف لا والأسعار في رام الله تُقارع الأسعار في برلين؟ وشتّان شتّان بين رواتب الألمان في برلين وبين رواتب الفلسطينيين في رام الله، ولكننا نشتري ولا نُبالي ثم تجدنا نقول "خليها ع الله".

 

في فلسطينُنا، تجد أكثرنا نعيش ونعتاش اليوم من مأثورت شعبية مُتهورة مثل "اصرف ما في الجيب يأتي ما الغيب"، بعد أن كان أجدادنا يعيشون على مبدأ "قرشك الأبيض ليومك الأسود" أو حتى "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" وفوق هذا بات ما في جيوبنا لا يكفي هوسنا المُتعاظم بالاستهلاك، ثم تجد حكومات "السلطة" المُتعاقبة تأتينا بحلول مميزة بالتعاون مع بُنوك تُسمى "وطنيّة" بعروض مُغرية جدًا من خلال قروض ربويّة.. في ظاهرها "الرحمة" وفي باطنها "العذاب"!

 

يكفيك أن تسمع عن طالب فلسطيني في مُقتبل العمر، يعمل ويكد ويجد ويجتهد من أجل تسديد قرض أخذه، لا لتسديد أقساط جامعيّة مثلًا، بل لتسديد أقساط سيّارة يتسكّع بها هو وأصحابه في أوقات الفراغ، ثم ماذا؟ تجدهم يقترضون من بعضهم البعض لشراء شيء من الوقود لتعبئتها، فلا يُعقل -في نظرهم- أن يركب "ابن الجيران" سيارة خاصة بينما هم يركبون "التاكسي" عمومي، وإن كانت هذه المقارنات على مستوى الطلاب فكيف تكون بين غيرهم؟ لقد سألت الكثير من أصحابي في الضفّة عن سر الانتشار الواسع لسيارات "الآودي" الفاخرة واليونداي الحديثة في شوارع الضفّة مؤخرًا فكانت الاجابة كالعادة: "قروض بنكيّة"!

 

إسرائيل تعتقد بأن الطريق لتحييد التوتر بين الطرفين يأتي بتحسين الأوضاع في المنطقة، بشكل يخفّف الشعور بالمرارة في أوساط سكان الضفة الغربية

النكتة أن تجد من الخبراء الفلسطينيين من يُشيد بهذه القروض باعتبارها مؤشرًا على الانفتاح الاقتصادي في الضفّة، والاستقرار السياسي، وبما أنني لست خبيرًا اقتصاديًا، أكتفي بالرد عليهم بذكر ما جاء في إحدى خطابات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن ضرورة وجود سلام اقتصادي قبل كُل شيء، فقال: " السلام الاقتصادي هو ممر لخيار السلام لاحقًا، وهو الذي سيخلق الظروف المُلائمة لتكون الاجواء جاهزة لذلك. السلام الاقتصادي يستطيع ويجب أن يمنع تجنيد واسع لنشطاء الإسلام المُتطرف". ثم أضاف: "الجماهير الفلسطينية بحاجة إلى فسحة أمل، بحاجة للإيمان أنه بالإمكان ان تتحسن ظروفها الحياتية وأن هناك مُستقبل لأبنائها".

 

قرأت أيضًا لأحد الصهاينة يقول: " إن إسرائيل تعتقد بأن الطريق لتحييد التوتر بين الطرفين يأتي بتحسين الأوضاع في المنطقة، بشكل يخفّف الشعور بالمرارة في أوساط سكان الضفة الغربية. الأوضاع الاقتصادية المحسّنة معناها أيضًا، في نهاية المطاف، توقعات أقلّ لنشوب أحداث عنيفة." وهذا وزير الدفاع الصهيوني أفيغدور ليبرمان يعد أهالي قطاع غزّة بأنه سيجعل من غزة سنغافورة الشرق الأوسط إذا تخلى سكانها عن حركة حماس، كما وعد باستقبالهم للعمل في إسرائيل، ولا ننسى أن "كيري" و"فيّاض" عملوا طويًلا من أجل تحقيق "السلام الاقتصادي" و"الترفيه عن فلسطيني" ولو بالقروض البنكية التي تجعل منه عبدًا للدينار قبل كل شيء.

 

هذه كُلها تذكرني بشعارٍ سمعته في مظاهرة بالضفّة الغربية، يحضرني وأنا أتأمل أحوالنا فهو يُجسّد واقعنا بكُل تفاصيله في كلمات بسيطة هي "كُنا بدنا فلسطين، صرنا بدنا كيس طحين"، ولكن الفرق أننا لا نُريد الطحين فقط، نُريد السيارات الفارهة والبيوت الفاخرة هذا غير "المطاعم الأرستقراطية" التي باتت من أبرز عادتنا الاستهلاكيّة.. أما الأسرى واللاجئين والأقصى فهي لا شك حاضرة، ولكن غالبًا.. على «الفيسبوك» فقط!  



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر إن بلاده لن تعود لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي بعدما أعلنت انسحابها، في حين أكد الأعضاء الآخرون أنهم عازمون على تطبيق الاتفاقية.

أحال النائب العام المصري 48 متهما بتفجير ثلاث كنائس بالقاهرة والإسكندرية وطنطا للقضاء العسكري. وأدت الهجمات على الكنائس في ديسمبر/كانون الأول وأبريل/نيسان الماضيين إلى مقتل أكثر من 70 شخصا.

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتيناهو أنه سيبحث جهود السلام مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء زيارته، بينما عبر وزير إسرائيلي عن قلقه إزاء صفقة للأسلحة بين الولايات المتحدة والسعودية.

الأكثر قراءة