أوركسترا الشيطان (4).. عن الأتراك الشجعان

في الجزء السابق تحدثنا عن الخطوات الأولى للتمرد التركي على ألحان الشيطان وذلك ابتداء من وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة بقيادة رجب طيب أردوغان عام 2002. إن التمرد التركي عن الخطط القذرة المرسومة للشرق الأوسط بقي يجري بهدوء ودون ضجيج ومع وضع الكثير من المساحيق التي تخفي هذه الحقيقة وخاصة فيما يتعلق بالحفاظ على علاقات رفيعة المستوى مع إسرائيل. فالحكومة التركية تعلم تماما، كما يعلم الجميع في المنطقة، بأن إسرائيل هي الملحن الأساسي في المنطقة، أما الولايات المتحدة فليست سوى ضابط الإيقاع الذي لا يحيد عن الألحان المرسومة.

بقيت تركيا خارج لعبة غزو العراق عموما مع بعض الاستثناءات التي فرضتها إما المصالح التركية الحقيقة بالتدخل خاصة ما يتعلق بالملف الكردي، أو ضرورة الحفاظ على الحدود الدنيا من الأمل الغربي بأن تركيا لم تخرج من بيت الطاعة بعد. كانت الحكومة التركية في هذه الأثناء تعمل بجد للحصول على مزيد ومزيد من التأييد الشعبي عن طريق رفع المستوى الاقتصادي للبلاد وخلق فرص عمل من جهة، وقصقصة أظافر الجيش تدريجيا باعتباره الأداة الأكثر خطورة بيد الغرب من جهة أخرى. لكن هذا لم يستطع منع الشكوك والريبة الغربية تجاه الحكومة التركية والتي بدأت تزداد عاما بعد عام.

الهدف من هذا التركيز الكبير على كوباني ليس الخوف على الأكراد بالتأكيد، فهذا آخر ما يهم الغرب، ولكن الهدف يتمثل في دفع تركيا لأن تتدخل مباشرة وتغرق في المستنقع السوري شيئا فشيئا مما سيخلق اضطرابات داخلية أو تحرك الجيش مما يعرض أمن البلاد للخطر.

كان الموقف التركي الواضح من الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2008 والتوبيخ العلني التاريخي الذي وجهه أردوغان للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في دافوس عام 2009، ومن ثم أحداث سفينة مافي مرمرة التي كانت متوجهة لفك الحصار عن غزة عام 2010 فواجهها الاحتلال الإسرائيلي بالعنف القاتل الذي راح ضحيته العديد من المتضامنين الأتراك وما تبع ذلك من طرد السفير الإسرائيلي في أنقرة وتجميد العلاقات الدفاعية والعسكرية مع إسرائيل.

كل ذلك أخرج تركيا من مرحلة الغموض والشكوك إلى مرحلة الوضوح التام.. نعم لقد تمردت تركيا. لكن الحكومة في تركيا كانت في هذه المرحلة قد تجاوزت شوطا جيدا في ترتيب أمورها والإمساك بزمام السلطة في البلاد بما يخفف من الخطر دون أن يكون كافيا ليلغيه تماما. كما أن الظروف الإقليمية المحيطة بين عامي 2003 و 2010 لعبت دورا مهما في حماية تركيا من الغدر الغربي نظرا لانشغال الولايات المتحدة في المستنقع العراقي الذي دفعتها إليه إسرائيل دفعا وعدم قدرتها بالتأكيد على اتخاذ أي خطوات كبيرة تجاه تركيا في تلك المرحلة.

انسحبت الولايات المتحدة من العراق 2010 تاركة إياه لإيران بشكل علني ومفضوح وذلك حسب المخطط المرسوم من قبل إسرائيل (انظر الجزئين الأول والثاني من أوركسترا الشيطان). كما بدأت في عام 2011 أحداث الثورة السورية وما تبعها من فوضى كبرى على الحدود الجنوبية لتركيا لتشكل من جديد اختبارا صعبا للحكومة التركية في وقت انكشفت فيه توجهاتها في الاستقلال التام عن القرار الغربي والإسرائيلي وبناء دولة ندية وغير تابعة، مما يعني تجاوزا للخطوط الحمر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

إن الخيارات الغربية تجاه تركيا في هذه المرحلة لم تعد كثيرة. فلقد استطاعت الحكومة التركية أن تبسط سيطرتها بشكل جيد على مؤسسات الدولة وتزيد رصيدها الشعبي بشكل لافت نظرا للنقلة النوعية التي حققتها تركيا في مجال الاقتصاد، كما أنها قلصت نفوذ الجيش بشكل كبير. الإطاحة بحزب العدالة والتنمية لم تعد في الحقيقة نزهة سهلة يمكن تحقيقها دون أن يؤدي ذلك لاضطرابات كبرى في البلاد. إن مثل هذه الاضطرابات هي آخر ما يحتاجه الغرب خاصة في أوروبا لأنه سيفتح بابا واسعا لتدفق اللاجئين بدون ضوابط مما قد ينذر بانهيار أوروبا نفسها.

عمل الغرب على استهداف الحكومة التركية بهدوء وحذر. ففي عام 2013 اندلعت احتجاجات واسعة ضد الحكومة شملت العديد من المدن وذلك ظاهريا للاعتراض على إزالة العديد من الأشجار من ميدان تقسيم وسط إسطنبول وإعادة بناء ثكنة عسكرية هناك. كان الدعم الغربي العلني والسري لهذه الاحتجاجات واضحا، وذلك على أمل أن تتسع إلى الحد الذي يزعزع فيه الحكومة التركية، إلا أن ذلك لم ينجح واستطاعت الحكومة لملمة الأمور.

المحاولة الكبرى الثانية للنيل من الحكومة التركية حدثت عام 2014 بخصوص الأزمة في عين العرب كوباني عندما تقدم تنطيم الدولة الإسلامية باتجاه المدينة الكردية -وللعلم هنا فإن تعزيزات التنظيم الإرهابي المتطرف جاءت إلى كوباني بشكل خاص من مدينة الرقة قاطعة مسافات شاسعة في وضح النهار وفي أراضي مكشوفة دون أن تتعرض لأي أذى من طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية!-. تم تصوير المعركة في وسائل الاعلام العالمية بأنها إبادة للأكراد وتم تضخيمها بشكل لافت والتركيز عليها وذلك للضغط على تركيا لتتدخل لحماية الأكراد.

الهدف من هذا التركيز الكبير على كوباني ليس الخوف على الأكراد بالتأكيد، فهذا آخر ما يهم الغرب، ولكن الهدف يتمثل في دفع تركيا لأن تتدخل مباشرة وتغرق في المستنقع السوري شيئا فشيئا مما سيخلق اضطرابات داخلية تزعزع الحكومة أو قد تؤدي في النهاية لتحرك الجيش ضدها بذريعة تعريض أمن البلاد القومي للخطر. إلا أن تركيا رفضت رفضا قاطعا أن تتدخل لوحدها دون مشاركة التحالف معها وفرض مناطق آمنة في شمال سوريا، وهو ما رفضه التحالف بالتأكيد لأنه لن يؤدي الهدف المطلوب منه. تجاوزت تركيا هذه المحنة أيضا ببراعة.

الشعب التركي أثبت للعالم تلك الليلة "ليلة فشل الانقلاب" بأن أهم إنجازات حكومة العدالة والتنمية لم يكن الإنجاز الاقتصادي، وإنما إعادة بناء وعي الإنسان التركي ليكون سيدا مستقلا..

من أكثر الخطط الغربية خبثا كان موضوع رعاية ودعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمال سوريا مع ما يعنيه ذلك من حساسية بالغة لأنقرة -المضحك هو أن الجميع يعلم بأن هذا الحزب ليس إلا فرعا من حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا على لوائح أوروبا وأمريكا!-. الهدف المعلن للولايات المتحدة هو محاربة تنظيم الدولة وهذا كذب واضح. فتركيا دولة قوية لديها أحدث الأسلحة وقد أبدت استعدادها لمحاربة تنظيم الدولة، فلماذا تريد الولايات المتحدة الاعتماد على الأكراد تحديدا؟

الهدف بالتأكيد هو تسليح الأكراد المناوئين لتركيا تحت غطاء محاربة تنظيم الدولة من أجل تحقيق هدف محدد وهو بناء إقليم انفصالي كردي معادي لتركيا في شمال سوريا ليصبح شوكة يديرها الغرب على الحدود الجنوبية للبلاد. كما أن هذا لو تم، فإنه يغذي النزعات الانفصالية للأكراد الأتراك مما سوف يؤدي بالنهاية لتقسيم تركيا نفسها.

كانت هذه خطة طويلة الأجل للنيل من تركيا، إلا أن الصبر الغربي قد نفذ، فتم اتخاذ القرار الأكثر خطورة على الإطلاق من خلال تنظيم محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في 15 يوليو 2016. إن اتخاذ مثل هذا القرار مع ما يحمله من أخطار كبرى يوضح تماما مدى الانزعاج الغربي من حكومة تركيا المنتخبة واستعداده للذهاب لأقصى الاحتمالات للنيل منها. إلا أن الشعب التركي أثبت للعالم تلك الليلة بأن أهم إنجازات حكومة العدالة والتنمية لم يكن الإنجاز الاقتصادي، وإنما إعادة بناء وعي الإنسان التركي ليكون سيدا مستقلا..

فشل الانقلاب وانتصرت تركيا من جديد، إلا أن هذا لا يعني نهاية المعركة.. سنجيب في الجزء المقبل بإذن الله عن العديد من الأسئلة المتعلقة بالمحاولة الانقلابية ودرع الفرات والدستور الجديد وموقف تركيا من ملف اللاجئين..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بدأت في تركيا أكبر محاكمة للمشتبه فيهم بالضلوع بالانقلاب الفاشل العام الماضي، بينما توعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صحيفة "حرييت" عقب نشرها تقريرا بشأن توتر مفترض بين الحكومة والجيش.

الأكثر قراءة