علماء بلاحدود (2)

يقين ثابت بغد مشرق، تلك خصلة فاصلة في علماء بلاحدود، فالواقع الأرضي الذي يتحركون فوقه لا تنتهي فيه التغيرات الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية تغيرا بسرعة فائقة، كان من أكبر نتاجه تصدع في منظومة القيم خاصة في العالم الغربي تصدعا مهولا، لم يعد لمفاهيم حقوق الإنسان والوقوف في وجه الأنظمة الشمولية القمعية واجبا يمليه وتؤمن به المواثيق الدولية وتؤكد عليه.

كل هذا أصبح متجاوزا، ونحن هنا لسنا بصدد رصد الأمثلة والأدلة على ذلك ولعل استقبال العالم والرئيس الأمريكي دونالد ترمب للانقلابي الفاشي(السيسي) الملطخ بكل أوصاف جرائم الحرب والإشادة به كاف لمعرفة عمق التغير الذي نحن بصدده.

يقين ثابت فما هي (من المقصود ب هي؟) بأمان معسولة وإنما هو عمل سمته الأساس تؤدة ونفس طويل مع الصبر الجميل، إذ أن إيقاظ النفوس والهمم من سبات قروني لتقوم إلى ميدان البناء، بناء مراده انبعاث أمة هي مرشحة لتكون حاملة لواء الرحمة في العالمين، رحمة قوامهما العدل والكرامة لبني البشير في واقع تزداد فيه الفوارق اتساعا، فوارق بكل مسمياتها وأبعادها، ويزداد فيه خطاب الكراهية تفشيا وصدام الحضارات (The Clash of Civilizations) تجدرا، فتلامذة صموئيل هنتنجتون أصبحوا كثر بل للأسف الشديد في مواقع القرار الدولي.
 

دين الانقياد منظومة محكمة هي الأرض الخصبة التي يبني عليها الاستبداد أصوله وفروعه فيصبح شجرة سامقة محصنة يجب تفكيكها، وتبيان عورها وفضح زيفها

بداية التاريخ وليست نهايته كما بشر فوكوياما٣ تلك هي المهمة الأساس التي لها يعمل علماء بلا حدود. ولئن كنا قد وضعنا الأصبع في المقال السابق على ما ينبغي التصدي له من عقبات في طريق ذلك فإننا سنحاول كذلك أن نلامس مظاهر تصدع أخرى في البنية السياسية والنفسية والسوسيوجتماعية عموما.

-2 ذهنية القطيع:
حاسة الخضوع للقوة (أين الخبر؟) وحاسة إكبار المستكبر(أين الخبر؟)، وحاسة إجلال صاحب السلطان، خفة الفكر وسطحيته معيقات نفسية تعاقب الانحدار الخطير على العمل على تربية أجيال من الأمة ليس باليسير على هذه الذهنية، لا يمكن بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف بناء الأمة وهذا الفيروس الخطير معشعش فيها، فيروس الركود العام والرقود العميق.

Be Proactive هذه عبارة للكاتب ستيڤ كاڤي ،أي كن إيجابيا ومبادرا، ذهنية القطيع هي النقيض المطلق لهكذا ذهنية، دون القطع مع هذه الدهنية يبقى المؤمل بعيد المنال، علماء بلا حدود هذه واجهة من أكبر العقبات التي يجب خوضها، فمعركة تحرير إرادة الأمة تبقى وستزال بعد مصارعة طاعون الاستبداد أم المعارك.

3-دين الانقياد:
العبارة للفذ ابن خلدون صاحب المقدمة٥ المؤسسة لعلم الاجتماع، دين الانقياد هو داء الخنوع والخضوع للحاكم، خضوعا غير مشروط بأي شرط ،غياب تام لأي عقد سياسي (Political Contract)،طوق السلطة والقهر هو الناظم للشأن العام، دين الانقياد سلب لحرية الاختيار إذ الحاكم في ظل دين الانقياد (ظل الله في الأرض)،هذا التزوير لطاعة الحاكم الذي تسربل بلبوس الدين كانت إفرازاته ذلك السكون للمألوف رغم بشاعته وفظاعته .
 

ما كان الإسلام ولن يكون مطية للأقوى، الإسلام منهج شورى لا منهج غابة، إسقاط من غلبت شوكته وجبت طاعته، جوهر دين الانقياد التي يجب اقتلاع جذورها نفسيا ومرجعية تصورية نقضا لواحدة من أهم ركائز الاستبداد

يقول العلامة محمد رضا رحمه الله تعالى (إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، وتُساس بالظلم والاضطهاد، تٓفسد أخلاقها، وتٓذِل نفوسها ويٓذْهب بأسُها، وتُضرٓب عليها الذِّلة والمسْكنة، وتأّٓلف وخضوع، وتأنس بالمٓهانة والخنوع، وإذا طال عليها أٓمٓدُ الظلم تٓصيرُ هذه الأخلاق موروثة فيها ومُكتٓسبة حتى تكون كالغٓرائِزالفطرية، والطٓبائع الخِلْقية)"تفسيرالمنار278/6″.

دين الانقياد منظومة محكمة هي الأرض الخصبة التي يبني عليها الاستبداد أصوله وفروعه فيصبح شجرة سامقة محصنة فإن لم يتم تفكيك هذه المنظومة وتبيان عورها وفضح زيفها وأن لُب الحكم طاعة مقيدة من الطرفين، وأن الأصل اختيار حر لا إكراه، فلإن كان طلاق المكره لا يجوز فإنه من باب أولى بناء أن يكون حكم الإكراه لا يجوز.

واحدة هي كذلك من مهام علماء بلا حدود، نواة صلبة وسط الأمة بصبرها ببصيرتها، رؤية واضحة وأفق ناصع منشود، ما كان الإسلام ولن يكون مطية للأقوى، الإسلام منهج شورى لا منهج غابة، إسقاط من غلبت شوكته وجبت طاعته، جوهر دين الانقياد التي يجب اقتلاع جذورها نفسيا ومرجعية تصورية نقضا لواحدة من أهم ركائز الاستبداد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة