الكتابة والمعاناة

blogs الكتابة

أنكتبُ لأنفسنا أم للآخرين؟ أندافعُ بكتاباتنا عن بؤسِ العالم وبؤس الوطن أم أنَّ الأمر برمته لا يعدو كونه تسريبات لمعركة النفس الداخلية؟ ترى أيستحقُ العالم من الأساس أن يُفني أحدهم العمر من أجل الكتابة عنه وعن بؤسه اللامتناهي؟ أيستحق العالم كتابات ماركيز وبن نبي ودستوفيسكي وبيجوفيتش وكامو وكونديرا وغيرهم؟ اقرأ العالم يوماً صفحة واحدة مما كتبوه بعقل الواعي المتدبر الباحث عن الحقيقة وعن التغيير؟ ولماذا نكتب من الأساس إذا كان وقع الواقع ووطأته أكبر من حجم كلماتنا؟ وما وسعُ اللغة أن تفعله أمام سيلٍ من تدفقات الحياة اليومية التي لا تنتهي إلا بنهايتنا؟

تبدو هذه الأسئلة سرمدية للوهلة الأولى، ولا إجابات لها، على الأقل في أفقنا الفلسفي والمعرفي حالياً، وأن ما يقدم بشأنها من إجابات لا يتخطى الرؤى الشخصية التي تعبر عن تجارب شعورية ذاتية مع الكتابة. لكن وبنظرة متفحصة لهذه الأسئلة، فإننا نجدها لا تخرج عن سؤال واحد، مكون من كلمتين: لماذا نكتب؟ وما يأتي من سطور لا يعدو كونه محاولة متواضعة لتقديم رؤية شخصية لسؤال: لماذا نكتب؟ رغم اعترافي الصادق بصعوبة هذه المهمة، وربما استحالتها. 

يكتبُ البعض عند حصار الألم والتياع الذكري وتشتت الحال وضياع الأمر، لكن على هؤلاء أن يعلموا أن ما يكتبوه ما هو إلا نبش في قبور يودون بكتابتهم أن يغلقوها، قبور الألم والفقد واللوعة والحنين والفراق والذكريات وما جادت به قواميس العرب من مترادفات الوجع. يبحث البعض الآخر بالكتابة عن الهدى، إلا أن الكتابة لا تزيدهم إلا تيها على تيههم. فمن من القوم قد بحث يوماً في الكتابة عن الراحة ووجدها؟! يكتب آخرون لأن الواقع لا يحتمل التعايش، فيلوذون بخيالهم عن واقعهم.

يعتقدُ البعض أن الأصل في هذا الوجود هو البهجة والسعادة، وأن مشاعر الألم والمعاناة والبؤس هي مشاعر دخيلة علي وجود الإنسان، وأنها لا تعدو أن تكون تعكيراً للصفو لا يلبث أن ينتهي

هذا التصور للكتابة باعتبارها مخلصة للإنسان، أو فلنقل صديق الإنسان الوفي الذي يواسيه كلما المَّ به ضيقٌ أو حزنٌ، هي ما يدفعهم للكتابة في كل تمثلٍ للألم والمعاناة. والكتابة كانت وستظلُ مواساة الإنسان الكبرى في هذا العالم، ومخلصته من عذابات اغترابه عن عالمه وعن وجوده. فهي ميكانزماه الدفاعية أمام إحساسه الأبدي بالتيه في هذا الكون مذ لفظته أمه على هذه البسيطة. لذا فوحدهم من يعتقدون في أن فعل الكتابة لا يعدو مجرد كونه فعلاً للمواساة، وحدهم هم من يتعاطون بشغف مع الفيلسوف الألماني شوبنهاور حين يردد: "الإبداع وليد المعاناة، ولا إبداع بدون معاناة".

يعتقدُ البعض أن الأصل في هذا الوجود هو البهجة والسعادة، وأن مشاعر الألم والمعاناة والبؤس هي مشاعر دخيلة علي وجود الإنسان، وأنها لا تعدو أن تكون تعكيراً للصفو لا يلبث أن ينتهي. بالنسبة لي لطالما أحسست بسذاجة هذا التصور ولا منطقيته وافتقاده للتاريخانيه -أعني تاريخية الوجود الإنساني-، يدعم رائيي في هذا شوبنهاور حين يذكر أن الحياة في أصلها ألم وحرمان، وأن السعادة هي الشيء السالب الطارئ الذي يتسلل لهذا الأصل. هذه السعادة سيعقبها شر في الغالب، أو على أقل الأحوال، سيعقبها فتور. هذه النظرة المتشائمة للحياة تجعلنا نُقدرُ الكتابة التي تنبع من رحم المعاناة، وأن نعتبرها فعل الإنسان الأسمى وأنبل ما أنتجت حضارته.

ولأن الفن وفي القلب منه الأدب وباعتباره تسليتنا الكبرى وسلوان الإنسان الدائم أمام رداءة الحياة وصلابتها ووحشيتها، أو بتعريف ميلان كونديرا في كتابه فن الرواية "الفن هو انتقام الإنسان من الطبيعة الغير شخصية للتاريخ". بهذه الرؤية للأدب، تصبح كل كتابة أدبية لا تعبر عن مأساة الإنسان في هذا العالم ومعاناته، لا تعتبر أدباً، أو كما يقول كونديرا نفسه: " إن كل رواية لا تكتشف جزءاً من الوجود لا يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقية". ربما أضيف أنا، أن كل رواية لا تواسي الإنسان من حيث كونه إنساناً في معاناته وآلمه في هذا الكون هي رواية لا أخلاقية.

قبل ستة عقود كتب ألبير كامو «إن دور الكاتب لا يخلو من المهام الصعبة. ولا يستطيع أن يضع نفسه اليوم في خدمة أولئك الذين يصنعون التاريخ، فهو في خدمة أولئك الذين يعانون من التاريخ.» يرى كامو في الكتابة ليس فقط مواساة لحظية أو شخصية لمن يعانون في لحظة ما، بل إنه يرى فيها مواساة للتاريخ، تاريخ المهمشين والضعفاء، تصبح الكتابة هنا صوت من لا صوت له، صوت لأولئك الذين عانوا ويعانون من سويداء قلوبهم ولم يسمع بهم أحد. الكتابة بهذا التصور هى صوت المنسيين. ضحايا التاريخ الذي لا يحترم إلا الأقوياء.

يذكر ديستوفيسكي أيضاً في كتابه المراهق: "إن شفيعي الوحيد في ما أفعله الآن هو أن الذي يحدوني إلى الكتابة ليس ما يحدو إليها سائر الناس: إنني لا أكتب بغية الحصول على إعجاب القارئ و مديحه، إنما تدفعني لذلك حاجة داخلية، واستخراج ما تنطوي عليه نفسي من الأمور المعيبة و الوضيعة ". فديستوفيسكي يجد في الكتابة تنفيساً عن معاناته الداخلية، وصراعه الداخلي، وهذا هو دور الكتابة كان وسيظل، أن تخفف من معاناتنا.

التصور السابق للمعاناة كمحرك أساسي للكتابة، لا يعني بالضرورة أنّ المعاناة هي السبب الأوحد الذي يدفعنا للكتابة، وأنه لا توجد أسباب أخرى نكتب من أجلها. فللكتابة أسباب مختلفة، وللكُتابِ هيئات وأحوال شتى يكتبون فيها

الأمر لم يتوقف على كونديرا وديستوفيسكي وكامو، فيذكر نيتشه مثلاً في كتابه هكذا تكلم زرادشت "أن من بين كلّ ما هو مكتوب لا أحب غير ذلك الذي يكتبه امرؤ بدمه . اكتبْ بالدم؛ وستكتشف أنّ الدم عقل". والدم هنا هو تجسيد للمعاناة في أعلى تجلياتها، بل ربما يمثل نزيف الدماء واحداً من أسمى درجات المعاناة، فأن يسيل دمك يلزمه دروباً من الآلم والمعاناة تسبقه.

ويذكر سيد قطب أيضاً في الظلال "إن كلماتنا ستبقى ميتةً لا حراك فيها هامدةً أعراساً من الشموع ، فإذا متنا من أجلها انتفضت و عاشت بين الأحياء، كل كلمة قد عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي فعاشت بين الأحياء، و الأحياء لا يتبنون الأموات ". وهنا لا تستمد الكتابة بهائها فقط من كونها وليدة لحالة من المعاناة، بل إنها تستمد قوة وتأثيراً من كونها سبباً في معاناة صاحبها، فمن يضحي من أجل ما يكتب لا ينساه التاريخ ولا الذاكرة.

ولن يكون مستغربا بعد كل ما ذكرنا أنّ نقرر أن أدب المعاناة وحده من يبقي، وتحفظه دفاتر التاريخ، وذاكرة الأمم. ولنسأل أنفسنا أي الأدبين بقي، أدب حكي عن معمار الأندلس وجمال حدائقها، أم أدب حكي تاريخ المأساة، محاكم التفتيش وغربة الأندلسي الأخير قبل سقوط غرناطة؟

ختاماً، التصور السابق للمعاناة كمحرك أساسي للكتابة، لا يعني بالضرورة أنّ المعاناة هي السبب الأوحد الذي يدفعنا للكتابة، وأنه لا توجد أسباب أخرى نكتب من أجلها. فللكتابة أسباب مختلفة، وللكُتابِ هيئات وأحوال شتى يكتبون فيها، فمنهم من يكتب عند الفرح، وعند السعادة، منهم من يكتب على صوت الموسيقى وغيرها من الهيئات. لكن ما أريد أن أوضحه وأقرره في هذا المجال. أن تلك الكتابة التي تنبع من رحم المعاناة هي الأجدر على البقاء، وأجدر على أن يتلقاها القارئ بقلبه قبل أن يعيها بعقله.