هل لك بحرٌ صديق؟

blogs رجل على البحر

لم أستطع أن أمنع نفسي من الذهاب لكورنيش البحر بعد صلاة الفجر، كان الجو رائعاً ورائقاً، وكانت الروح تحلق في سماء السعادة والصفاء، كيف لا وقد وَقَفَت بين يدي خالقها الذي أبدع الكون وخلق الجمال، ما بين مفترق الطرق، توجهت قدماي في الاتجاه الآخر، لم أمانع، لم أعاتب، لم أطلب تبريرات لهذا التصرف الذي يتنافى مع خطة التقشف في الوقت، وخاصة أن ساعات بعد الفجر تلك، هي الأفضل للعمل والإنتاج.

لا يبعد البحر عني سوى نصف كيلو متر، تساءلت في نفسي، لماذا كل هذا الجفاء، صحيح أني أحاول زيارة الحبيب في اليوم مرة، لكن هذا لا يكفي، لماذا لا أجعل زيارته من طقوس السعادة المتكررة، ها أنا أخرج إلى المسجد في معظم الصلوات، لماذا لا أتوجه بعدها إليه، أؤدي التسابيح على ضفافه، أليس من الجميل أن أنطق بـ"سبحان الله" وأنا أشاهد عظمة الله ماثلة أمام عيني.

حين فتحت برنامج "قوقل إيرث" ورأيت القارة التي أسكن فيها، كم هي واسعة وشاسعة، بدأت أبحث عن موقعي فيها، إنني أعيش في تلك المدينة التي لا تكاد ترى في طرف القارة وبجانب البحر، ثم أنا أسكن في طرف تلك المدينة الواسعة، يا لها من نعمة عظيمة، فليس بيني وبين الزرقة الشاسعة إلا مئات المترات فقط، كم من ملايين البشر يعيشون في الداخل، في وسط القارة، لم تتح لهم الفرصة أن يقتربوا من تلك اللوحة الفريدة التي رسمها الخالق سبحانه وتعالى وأشهدنا عليها.

لعلي أفضي لكم بسر، وهو أني في الأصل من سكان ميدنة خالية من بحر أو نهر، لكني انتقلت إلى حيث أقيم الآن، لمجاورة البحر الذي أفضي إليه بأسراري وأتخذه أعز أصدقائي، كي أنعم بواحدة من نعم الحياة الدنيا العظيمة

لدي أصدقاء لا يزورون البحر كل يوم، ربما لا يزورنه إلا في الأسبوع أو الشهر مرة، وحتى إن رأوه، قد يكونون في طريقهم لبعض شؤونهم، فوق سيارة أو باص، هم مشغولون عنه، في طريقهم للسعي وراء لقمة عيش، أو كسرة معلومة ينقحون بها أبحاثهم، لكنهم ينسون أن أرواحهم بحاجة إلى لقيمات دائمة، إلى تغذية مستمرة، بحاجة لوقفة تأمل ولحظة صفاء، لدقائق ثمينة يتأملون فيها عن النفس والحياة والوجود، لاختلاء جميل وسط عشب طري أو أمام بحر هادر.

لعلي أفضي لكم بسر، وهو أني في الأصل من سكان ميدنة خالية من بحر أو نهر، لكني انتقلت إلى حيث أقيم الآن، لمجاورة البحر الذي أفضي إليه بأسراري وأتخذه أعز أصدقائي، كي أنعم بواحدة من نعم الحياة الدنيا العظيمة، هذا الخلق البهي الذي يتسع لك ولجميع همومك، ودائماً هو يسمع ويصغي إليك، لن تجده صديقاً متمصلحاً يلجأ إليك كلما احتاج لشيء، بل أنت دائماً من تذهب إليه كلما ضاقت بك الدنيا، فتعود من عنده مسرور الخاطر مبتهج القلب.

صديقي القارئ، هل لديك بحرٌ صديق؟، هل تعيش في مدينة ساحلية، إن كانت الإجابة بـ"نعم" فهيا عد إليه ورمم علاقتك الحميمة معه، وإن كانت الإجابة بـ"لا"، فها هي الأرض قد خلقها الله لك ثم قال لك "فَسِيرُواْ"، بإمكانك أن تغير حياتك وأن تنفك من أسر وظيفتك التي قيدتك، فهذا باب العمل الحر مفتوحٌ أمامك، وباب الريادة متاح لكل مشمر، وفرص العمل موجودة في كل أصقاع الدنيا، خطط الآن وامضي في سبيلك، لا مشكلة في تأخر موعد اللقاء، بعد سنة أو سنوات، هوَّ لن يتحرك، سينتظرك حتى آخر عمرك، وحين تلقاه سيفتح لك ذراعيه ويغمر همومك في جوفه، ليبعث في نفسك الأمل في كل صباح.