شعار قسم مدونات

نظرة في منهجية الخطاب الديني للشباب

blogs - خطاب ديني
يومًا بعد يوم، يتضخم الزحف التطوري للتقنية وكل ما يتعلق بها بفعل بشري إرادي في ظاهره، مسيَّر في باطنه، بالموازاة مع ذلك كان من الطبيعي أن تتغير فلسفات البشر وأفكارهم وعاداتهم، مع بقاء الغرائز والضروريات المشتركة التي تعمل -إلى حد كبير- على توحيد كلمتهم لاستمرار الحياة على وجه البسيطة.

وكما لا يخفى على أحد، فقد شهدت القرون الأخيرة بعد الثورة العلمية الغربية نقلة نوعيةً خاصة فيما يتعلق بالمنحى الديني إجمالاً، على أن الهدف كما يبدو كان واحدًا وهو إقصاء الدين عن حياة البشر، والنظر إليه على أنه وباءٌ يسمم كل شيء كما عبر عن ذلك كريستوفر هيتشنز أحد اهم فرسان الإلحاد الجديد.

غير أن سبل الوصول إليه اختلفت بين فترة وأخرى، فقد لاحظنا مثلاً كيف تميز ما يسمى (عصر التنوير) بثورته الحديدية التي اعتمدت لغة القوة لإزاحة الدين ومحاربته فاستئصال فكرة الإله نهائيًا من الوعي الإنساني. بينما حدث النقيض تمامًا حين استيقظ الضمير الغربي على تطرف جديد لا يقل خطورة عن التطرف الكنسيّ، فتحولت الدعوة الإلحادية من لغة البطش إلى لغة الحوار تماشيًا مع التطور المجتمعي الحاصل، وإن كانت اللغتان مغلفَتَين بطابع الثقة مما جعلهما يحققان الهدف المطلوب تمامًا حتى لو انتهت إحداهما واستمرت الأخرى إلى حين.

وفي هذا يقول د.عبد الله الشهري أن المنحنى العام للثقة التي يبديها الإلحاد الجديد ينِمّ -في الجملة- عن ثقة رقيقة لا عنيفة، حوارية غير إقصائية، مسالمة غير إرهابية، وتبشيرية لا وعيدية، الأمر الذي طرح قبولًا للإلحاد الجديد في ضمير اجتماعي ينزع بطبيعته إلى تفضيل الرؤية اللادينية الإنسانية تجاه الكون والحياة.اهـ.

تأسيس الوعي بأصل هذه الرؤية يكون بفهم ميول الشاب وأفكاره، ولا يتحقق ذلك دون معرفة أقرب سبل التأثير فيه التي جعلت هذه الصورة على ما فيها من مغالطات ومباهتات؛ تترسخ في وجدانه.

لماذا هذا التقديم؟ لأننا اليوم أمام ثنائيتين رئيسيتين، ثنائية الإيمان والإلحاد، ولا ينكر المتبع لأحوال البشرية اليوم تلازمهما بشكل واضح لا يسعه تجاهله، ونحن حين نود الحديث عن الخطاب الديني اليوم فلابد من فهم أسلوب الخطاب الإلحادي المعاكس له، والذي يطغى على الفكر العام-الشبابي خصوصًا- بعد الموجة الإلحادية التي اجتاحت الأوطان العربية الإسلامية لكونها في موقع التبعية الغربية.

1- الخطاب الديني: في هذا المقال تحديدًا لن أتطرق إلى الخطاب الديني بمجمله، بل أخص منه الخطاب الدعوي الإسلامي، ولن أتحدث عن كل أساليبه، بل طريقة توصيل الخطاب الأكثر شيوعا في هذا العصر: الإعلام.
ولهذا كان المقال عبارة عن (نظرة)في منهجية هذا الخطاب في مجال واحد أحسبه أهم المجالات وأكثرها تأثيرًا على الفئة الشبابية.

2- نظرة عامة: تطورت الوسائل الإعلامية حتى صارت أهم وأقوى الاليات التواصلية، فكان من البدهي أن يتم توظيفها في الصراع القائم بين الرؤية الدينية الإسلامية من جهة، والإلحادية من جهة أخرى،حتى بلغ الأمر درجةً لا تُستغرَب معها التغطية الغربية المشوهة لكل ما يعتبر إسلاميًا، وذلك بتكوين صورة نمطية قد تكون موجودة بالفعل، أو لا تكون، لكن لا يمكن اعتبارها نمطًا سائدًا مسيطرًا -كما قال احمد سالم- لكنهم يختزلونها لتعبر بالضرورة عن كل ما له علاقة بالإسلام، وإن (مما شاع استعماله في وسائل الإعلام الغربية؛يختزل كل إسلامي في إسلاموي -إسلامي متطرف- وكل إسلاموي في إرهابي محتمل). وهذه الصورة النمطية هي الأكثر انتشارًا وتأثيرا على الشباب المسلم نفسه بغض النظر عن غيره، فكيف يتصرف الخطاب الديني تجاهها؟

إن تأسيس الوعي بأصل هذه الرؤية يكون بفهم ميول الشاب وأفكاره، ولا يتحقق ذلك دون معرفة أقرب سبل التأثير فيه التي جعلت هذه الصورة على ما فيها من مغالطات ومباهتات؛ تترسخ في وجدانه.
ولا أقصد بالفهم هنا الإدراك الإجمالي بأصل المشكل فذلك مثل موضع (النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد)، وإنما الإحاطة بكل ما يتم صياغته إعلاميًا وتقديم وعي ناقد بنّاء يهدم الحاجز الذي يُراد تأسيسه لفصل أهم قوة في المجتمع(الشباب) عن مفاهيم الإسلام في صورتها الصحيحة.

3-الإسلام اللطيف: أشدد على جملة (في صورتها الصحيحة) لأن ما يتم تقديمه إعلاميًا للتشويه اليوم لا يخلو من أمرين: إما التشويه الكامل للإسلام بصورة مباشرة وطرق رقيقة في ظاهرها تخاطب نفوس الشباب قبل عقولهم، وإن كان في الخطاب دعوة لإعمال العقل إلا أنه يبقى زخرفًا ينهار عند أول مواجهة عقلية حقيقية.

وجب مراعاة عدم تخصص الشباب وقلة الوعي وسط دوامة الملهيات التي تنتشر كالنار في الهشيم، في مقابل تباطؤ تطوير منهجية الخطاب وإن كان شعاع النور قد بدأ يلمح هنا وهناك.

وإما أن يتم ذلك بصورة أخبث من سابقتها عن طريق (دس السم في العسل) ولا يكون ذلك عادةً دون تحريف أصول الإسلام من بأي وجه كان، والتبشير باختلال هذه الأصول واختلاف الدعاة إليها، مما يولد حالة شك واضطراب عند الشاب غير الدارس في صحة المنهج الذي هو عليه أصلا، فيميل في أفضل الحالات إلى أهدأ السبل-إن لم ينكرها بالكلية- إلى ما يصطلح عليه "الإسلام اللطيف".

(مالي ولكل هذه الصراعات والاختلافات! أريد دخول الجنة فقط وأكره النار، لذلك أنا أصلي وأصوم وأحج، لكم علمكم ولي حياتي- وأما ماتبقى إعفاء اللحية أو ارتداء الحجاب أو غيره فلا يهمني ولن أزعج نفسي بصراعاتكم)

هذا الخطاب العاميّ الذي يتم التأسيس له إعلاميا -وقد آتى أكله- وسط ما يراه أو بالأحرى يتوهمه الشاب من تناقضات في الإطار الدعوي يجعل من المتحتم على كل من يتصدر هذا المجال من أهل الحق أن يبين بأقرب الطرق وأيسرها الصورة الصحيحة للإسلام وأصوله، وأن بعضه يكمل بعضًا، وأنه ليس طقوسًا نَرثُها فنعمل بها ونحن نرتدي نظارات العميان، ويقدم البراهين ويقارع المشتبه بالحجة مع مراعاة الأسلوب الخطابي، فلا يتكلف أو يتزهد أو يتعالم أو يستخدم المستهلَك والمُنتقد من اللفظ، مثل استعمال بعضهم في الدعوة إلى الحجاب تشبيه الحلوى والذباب أو الجوهرة المصونة، وإن كان اللفظ في عمومه ليس فيه بأس، لكن استهلاكه وضعَه في حال الانتقاد والاستهزاء، فإقصاؤه خير من بقائه.

وغير ذلك من توضيح أسس الاختلاف وأدوات النقد التي إن توفرت لدى الشباب أبعدَت عنهم ضبابة الإعلام الزائفة، ومكنتهم من التفريق بين الحق والباطل دون تفريط في العقل ولا إنكار للنقل الثابت.

وهذا مما لا يتوفر في أغلب -ولا أقول كل- الخطابات الإسلامية، وقد وجب مراعاة عدم تخصص الشباب وقلة الوعي وسط دوامة الملهيات التي تنتشر كالنار في الهشيم، في مقابل تباطؤ تطوير منهجية الخطاب وإن كان شعاع النور قد بدأ يلمح هنا وهناك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.