شعار قسم مدونات

لا تحدّثوا الأطفال عن الله

blogs رجل يتحدث عن طفله

بل كونوا ربانيّين
الأم والأب هما التجسيد المصغّر لله في العالم الطفولي. هم أرباب العالم الذي تتفتّح عليه بصائر الطفل. لنفكّر بالأطفال كما نفكّر بالأقوام الخالية التي لم تتجاوز "الطفولية" في نشأتها، فلم يكن لها إمكانية تخيّل الإله بطريقة مجرّدة. كانوا دوماً ما يطلبون رؤية الله جهراً، أليس هذا مطلباً متكرراً للأطفال؟

كانوا يثقلون الأنبياء بالإصرار على مظاهر الإعجاز العيني، أوليست المعاينة هي الطريقة الفضلى التي يتعلّم بها الأطفال؟ (في سن ما قبل السابعة أو قبل تبدّل الأسنان). إنّ الطفل في هذا العمر غير قادر على الإحاطة بمفاهيم فوق-حسيّة بشكل مباشر كمفهوم الله، فيبقى الله في طيّات مخيلات الأطفال ذاتاً لا محسوسةً يلفّها الإبهام.

 

فالكلّ يتحدثُّ عنه ولم يحدث أن رآه أحد. وليس من أمر أكثر مدعاةً للحيرة من هذا التساؤل للنفس الطفلة. ذلك أن الطفل يتعلّم بالتمثيل الواقعي للمعاني لا بالكلام الذي يخاطب العقل. تصله المعاني الكامنة من طريق المظاهر البادية. الكلام وسيلة نظرية مجرّدة وهو يتعلّم بالمقاربات العينيّة. فإذا أردت أن يتعلّم الطفل بأن يثق بالله علّمه أن يثق بك، يكبر الرضيع الواهن ليثق بالله عندما يثق أنه وفي كل مرّةٍ يبكي فيها وينادي أمّه فإنّها ستهّب لطمأنته وتلّبيه بلا ترددٍ، فلا تخذله ولا تخذل فطرتها الحيّة. 
 

جلّ ما في التربيّة صفة المربّي، قد لا تتفوه الأمّ بكلمة فيتكلّم صمتها المليء عن ألف كتاب. الأطفال وإن جهلوا ففي جهلهم الأميّ معارف للسائلين وهم أمراء الأنس بصفات الربّوبية. فلنتمثّل صفات الله ولا نتحدّث عنه

أمّا إذا أردت أن تعلّم ولدك التوكّل وتفويض الأمر لله والعزوف عن مكابدة الحياة فرداً كالوحش في البراري فلا بدّ وأن ينعم بالاطمئنان الذي يأتي من معرفة أنّ هناك من يدّبر له أموره ويتخذ القرارات عنه ويتولّى أمره (في تناقضٍ صارخ لما تنادي به بعض الأصوات المعاصرة من ضرورية "تمكين" الأطفال و"تطليقهم" من كنف الرعاية إلى رحاب الاستقلالية من خلال إعطائهم طيفاً من الخيارات فيكونون كطيرٍ أطلق لفضاء اللا مألوف من قبل اكتمال أجنحته)، في حين أن الاختيار هو في واقع الأمر تكليف لا يكلّف به الا من جابل وجرّب، لأن الاختيار يعقبه محاسبة، فلا يختار إلا من بلغ مبلغاً من الرشد يؤهله للمسؤولية، لذا فهو يندرج تحت واجبات الآباء والأمهات، هذا هو عملّهم الذي كلّفوا به، في مسؤوليتهم هذه تتجلّى مبادئ الرعاية والولاية.

 

نحن لا نقصد مختصّا في مجالٍ ما لكي يسألنا في المحصلة عن رأينا في الموضوع الذي أتينا نستشيره فيه مثلاً. وإن لم يتخذ الآباء والأمهات موقع المسؤولية هذه التفت الأطفال لنظرائهم ولثقافة العوّام الدارجة كمصادر يستقون منها الإرشاد، فتصدّر مهمة التربيّة للخارج ويتشتت انتماء الطفل.  أنت إذا أردت ولدك أن يؤمن برأفة الله وحكمته فسبيلك تسلكه في أن تتمثّل الرحمة والحكمة في تأديبك له وتتنحّى عن دور الشرطي الحاضر لاقتناص المخالفات. يبقى التغافل هو سيّد التربيّة، والله يمهل ولا يهمل. فأمهِل وآخّر ولا تنتقد نقداً مباشراً فتكبر في عين الطفل ويتعلّم الجلال والجمال.

 

جلّ ما في التربيّة صفة المربّي، قد لا تتفوه الأمّ بكلمة فيتكلّم صمتها المليء عن ألف كتاب. الأطفال وإن جهلوا ففي جهلهم الأميّ معارف للسائلين وهم أمراء الأنس بصفات الربّوبية. فلنتمثّل صفات الله ولا نتحدّث عنه. ولنكن كلمات الله الحيّة في مسرح الطفولة المفعم. الله لا يحتاج من يعرّف به بل لعلّ القرب من الأطفال هو التمرين الحقيقي في معرفة الله وفي تربيّتنا الروحانية.