شعار قسم مدونات

رسالة من طفل بائس

blogs طفل محتاج

صعب عليكم أن تتخيلوا حياتنا البائسة أن تتذوقوا شعورنا بالحرمان، وصعب أن تتخطوا حال قلوبكم لتصلوا للجانب الآخر من حال قلوبنا، ونحن أطفال نستطيع أن نستشعر قدر شعور الكبار، نستطيع أن نقدر حجم الحرمان الذي نحن فيه، ففرحة طفل بلعبته يشتريها له أباه قادرة على أن ترينا غصة الحرمان، ولقمة يضعها في فمه أو شربة من عصير يسقيه بها، تصنع عندنا الشعور بالفارق الذي بينهم وبيننا.

أيها الآباء أن كنتم تجمعون أطفالكم على مائدة من الأطعمة، فنحن نجتمع على فتات من لقمات تغص لخشونتها حلوقنا. وأن كنتم تنامون معهم على فراش وثير، فنحن ننام على أنين الحرمان، وشدة البرد الذي ترتعد منه فرائسنا حتى تجتمع أعضاءنا لتشكل كومة من بعض إنسان. وأبنائكم غارقون في نوم عميق كنا نحن ننزل العذاب السحيق، فالجوع لا يجعلك تهنأ بساعة نوم ولا البرد يدعك ترتخي لتهدأ فرائسك، فالليل سكن لمن ارتاحت قلوبهم وأطمأنت على سلامة العيش، أما نحن فيزيدنا الليل شعورا بالخوف، الخوف من الغد المجهول الخوف من تجدد يوم كامل من البؤس والعناء.

وأنتم ذاهبون بأطفالكم إلى مدارسهم عليكم أن تعلموا أننا كنا نذهب إليها كمشردين عليهم ثياب ممزقة أو بعض من الثياب فإن كان لأطفالكم ما يحميهم من برد الطريق، فنحن كان البرد يحتوي أجسادنا شبه عارية يأخذها في جناحه ليذيقها العذاب السرمدي فلا نصل إليها إلا كما يكون اللحم المجمد، وعلينا أن نبقي صامتين إلى أن ترتخي أعضاؤنا من هذا التجمد.
 

لا تنسوا أيام الأعياد فأنتم تذهبون للمحلات لتشتروا لهم أحلى الألبسة وأغلى الألعاب، فنحن نبقى قابعين في بيوتنا نغض الطرف قدر الممكن عن هذا العيد، فأن يخرج أبنائكم فرحين مبتهجين بيوم بهيج كالعيد نحن نبقى غارقين في نوم عميق ليس حبا فيه ولكن هو من أدوات الغياب

وأنتم ذاهبون أيها الآباء إلى الحدائق والمتنزهات عليكم أن تعلموا أننا نذهب إلى أي ركن فيه الهدوء من هاته الدنيا، أنتم تذهبون بأولادكم ليروا متاع الحياة ونحن نلتمس ركنا هنا أو هناك بعيدا عن ضجيج الحياة، فكلما رأت أبصارنا هاته الفتنة كلما زادت حدة العذاب داخل القلب عكس أبنائكم الذين يزيدهم النظرة فرحة ومتعة.

وعليكم أن لا تنسوا أيام الأعياد فأنتم تذهبون للمحلات لتشتروا لهم أحلى الألبسة وأغلى الألعاب، فنحن نبقى قابعين في بيوتنا نغض الطرف قدر الممكن عن هذا العيد، فأن يخرج أبنائكم فرحين مبتهجين بيوم بهيج كالعيد نحن نبقى غارقين في نوم عميق ليس حبا فيه ولكن هو من أدوات الغياب. فكل احتفال كان له ذوقه الممتع في قلوب اطفالكم كان عكس الذوق عندنا.

كل هذه الدنيا بما فيها من جمال وبهجة ما نعلمه منها وما نجهل نراه قدر جماله قبحا وعكس بهجته حزنا، نراه باهتا صامتا لا روح فيه، قد يتمتعون أولادكم وهم يرتعون على العشب الأخضر ويلهون بجمع الأزهار هنا وهناك، ويمرحون قدر حب طفولتهم لهذا الجو الممتع، كانوا هم يرون الزهر مفتحا بألوانه الزاهية، كنا نحن نرى أسفل الزهر نرى ذلك الشوك منه فلا يغرينا جماله لأن الشوك حجبه عنا، أولادكم يرون بجمال حياتهم ونحن نراه بقبحها، فتسقط أنظارهم على الجانب الذي هي عليه حياتهم وتسقط أبصارنا على الجانب السفلي الذي يعبر عن قساوة عيشنا .

حتى إذا جاءت العطل وتهيأ أبنائكم لرحلة ما قد سبق التخطيط لها معكم، كنا نحن ننتظرها لنسابق أيامها بما تجنيه من أرباح جهدنا، نبذل قصارى الجهد لتتضاعف أجور أعمالنا، كنا نحمل أضعاف وزن أجسادنا ولا يمضي ذلك اليوم إلا وقد تحطمت قوانا وأنهك التعب أجسادنا وأخذ منها الجهد مبلغه، حتى نسقط على الفرش كأشباه الموتى حين توضع القبور.

وإذا ما مرت العطلة جاء أبنائكم يقصون علينا متعة الرحلة كأنهم رحلوا إلى الجنان ليأتوا يعبرون عن جمالها وما رأوه من مناظر فاتنة، كلامهم كله يكون عن الجمال والراحة والمتعة عكس ما تضمر به صدورنا مما عاينناه خلال أيامها. حينما كان أبنائكم يرحلون إلى الجانب الأكثر متعة من الحياة كنا نرحل عكس اتجاه رحلتهم هم كانوا يصعدون درجات نحو السعادة نحو اللهو واللعب كنا نحن ننزل أسفل درك من الجهد والتعب.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.