السلطة بيت الداء

nazi-salute
استطاعت العديد من شعوب العالم كانت تمر بأزمات ومشاكل اجتماعية وسياسية واقـتصادية متشابهة خلال فترات زمنية مختلفة أن تحدث قطيعة مع السبب الأساسي والرئيس لتلك الأزمات التي خلفت مآسي وآلام كادت تنتهي بتلك الشعوب لأن تصبح موضوعا لإنسان في طريق الانقراض وجب الحفاظ عليه والعمل على تكاثره، حاله في ذلك كحال أي حيوان مهدد بالزوال يعيش في غابة استوائية أو داخل محمية طبيعية.

و لعل أهم تجربة وأبرز مثال في هذا السياق هو ما عايشته شعوب أوروبا بداية من عصر النهضة إلى يومنا هذا حينما اقتنعت تلك المخلوقات البشرية بأن الاستبداد بالسلطة وتجييرها لصالح عائلة أو شخص تحت مبررات قد تختلف هنا أو هناك لتأخذ مظاهر عدة مغلفة بورق السيلوفان أو مغطاة بطبقة براقة من مساحيق التجميل الباريسية، ما بين التفويض الإلهي ونبالة العرق واستحقاق التسلط على الرقاب استنادا للزعامة والكاريزما، لكنها تجمع في النهاية على أن هؤلاء البشر الخارقين غير الطبيعيين سيحكمونكم شئتم أم أبيتم، طوعا أو كرها.

الاستبداد يقلب الحقائق فى الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح -كذلك- النُّصْح فضولا.

في تلك الليالي المظلمة أيقن الأوربيون أن العيش بدون حرية أو بفتات منها يتصدق به عليهم أولئك المتعجرفون ما هو إلا موت زؤام يتدثر في مسوح الواعظ الكذاب، أيقنوا كذلك أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة وأن الحرية تبدأ من الكفر بتلك الأصنام وتنطلق نحو آفاق رحبة تنشر الوعي بين الناس بضرورة استرجاع الحرية المسلوبة، أدركوا بأن ذلك يتطلب أثمانا باهظة وصبرا مرا وتضحيات جسام.

و مرت الأيام والسنوات الطوال وساحات أوربا تشهد الحروب الضروس والمعارك الطاحنة وكل ذلك لا يفل عزم الإنسان الأوربي، فلا تجده مستسلما حين يصفعه إقطاعي، ولا يتملق إذا ما أنهكه الملك بالضرائب والمكوس، ولا يلتفت لخزعبلات القساوسة المأجورين، لا تثنيه أعداد الضحايا وكبر الفجائع والرزايا عن هدفه الذي استلب عقله وملأ وجدانه وأنار دربه فيصيح ملئ شدقيه:

ألا أيها الظالم المستبد حبيب الظلام عدو الحياة
سخرت بأنات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه

أدرك جيدا وبدون مواربة حينما رأى أن المستبد بالسلطة لن يتخلى عنها مهما كلفه ذلك من ثمن، أيقن عندها أن الكواكبي على حق حين قال: الاستبداد يقلب الحقائق فى الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح -كذلك- النُّصْح فضولا، والغيرة عداوة، الشهامة عتوّا، والحميّة حماقة، والرحمة مرضا، كما يعتبر أن النفاق سياسة والتحيل كياسة والدناءة لُطْف والنذالة دماثة، ففهم أن:
 
للحرية الحمراء باب *** بكل يد مضرجة يدق

لم يتذوق شعر الشابي ولا أبيات شوقي مثلي، لكن أشعار غوتة وشيكسبير ألهمته، لم تلهمه أفكار الكواكبي، لكن كتابات مونتسكيو وجان جاك روسو ألهبته، أراد الحرية وسعى لها سعيها فأزال طبائع الاستبداد واستفاق من مصارع الاستعباد، فنادى بأعلى صوته:

حماة الحمى يا حماة الحمى هلموا هلموا لمجد الزمن
لقد صرخت في عروقنا الدما نموت نموت ويحيى الوطن

فتجمع حوله الألوف من بني جلدته يرفعون الأعلام والرايات يقودون بها ملايين البشر يحملون الفؤوس والمعاول صوب أصنام وتماثيل ملوك أوربا مرددين:

إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
و لا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر

فتهاوت تلك الصخور الصماء التي كانت تعبد من دون الله، وفعلا، ففي نهاية هذا المشهد التراجيدي ومع بداية القصة السعيدة قامت تلك الحشود الغاضبة بشنق آخر ملك بأمعاء آخر قس، وبدأت الملوك بعد ذلك تتراجع شيئا فشيئا وتتخلى عن صلاحياتها الإلهية رويدا رويدا تحت ضغط نداءات الشعوب المكلومة حقا، ولكنها تعي جيدا ما ترنو إليه من ضرورة استعادة حقها في اختيار من يحكمها بما يصلح لها لا لمجرد أنها مندفعة كثيرا هائجة محبوسة فتحت أمامها بوابات تفصلها عن المراعي الغناء. 

مرت الأيام والسنوات الطوال وساحات أوربا تشهد الحروب الضروس والمعارك الطاحنة وكل ذلك لا يفل عزم الإنسان الأوربي، فلا تجده مستسلما حين يصفعه إقطاعي.

و بعد قرابة سبعة قرون من تلك البداية عرف الرجل العربي أن الخلاص يبدأ بنسيان فكرة "المخلِّص" وأن الطريق إلى تلك الحرية تبدأ من إرادة الشعوب وتتطلب المهور الغالية وتستحق أن تضرب لها أكباد الرواحل النواجب، وجالت بخاطره صورة ذلك الرجل الداعي إلى الله يوم ثار على استبداد أبي جهل بمكة فصرعه ببدر، ولم يهدأ له بال حتى وطئ إيوان كسرى بنعليه ممزقا ستائره ونمارقه وزرابيه برمحه وهو يقول : جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

انتبه ذلك الرجل العربي وعرف أن آباءه وأجداده كانوا رجالاً، لا يقبلون الضيم ولا ينزلون أبداً على رأي الفسدة ولا يعطون الدنية أبدا من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم، أيقن أن أولئك الخارقين المارقين في بلادنا العربية الذين يحكموننا بالتفويض العسكري والهرطقات والادعاءات والمزاعم الثورية والقومية والعروبية و"الخنفشارية والحنكسائية التي تقرمطت يوم عنفق ذلك المكحوش" الأجنبي بلادنا.

فكان لزاما أن "يتغردف مكحوس الثالث عشر ويشلهب" الشعوب العربية المسكينة لنصف قرن من الزمن، يا لها من تخاريف تكدست في عقولنا حتى صدقناها واستسلمنا لها إلى أن صفعت الشرطية بائع الخضار، جاء البوعزيزي ليرفع لواء العزة من جديد ويقود الأمة صوب تلك الأوثان العفنة يستحثها السير ويحدوها بصوته الشجي  إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد للحر أن ينتصر.