شعار قسم مدونات

الإسلام ليس الحل

blogs - مصاحف
بتنا يومياً نسمع إما تمجيداً وتفاخراً بالتاريخ الإسلامي والمحافل التي حقق فيها إنجازات جمة، وإما تناقل تصريحات لمسؤولين غربيين يتحدثون فيها عن مطالبتهم بجعل التشريعات الإسلامية (النظام الاقتصاد الإسلامي مثلاً) هي التشريعات التي يجب أن تستند إليها الدساتير في الدول الغربية، ضمنياً ناقل هذا الكلام يقول لك إن (الإسلام هو الحل).

فهذا يقول لك إن ابن خلدون هو أول من أسس علم الاجتماع وسماه بعلم العمران البشري، في حين أن دوركاييم لم يكن سوى مقلد له أو ناقلاً عنه، وذلك يقول إن عباس بن فرناس هو أول من أشار لفكرة الطيران، والآخر يقول إن ابن الهيثم هو أول من اخترع الكاميرا.

الإشكالية الأساسية في هذا الطرح تكمن في الحالة الفكرية والمعرفية التي خرجت منه، والتي تتصف بحالة الانهزام العلمي والهوياتي، بالإضافة إلى الوقوع في فخ سلطة الثقافة الغالبة (بطريقة أخرى)، وأيضاً في محاولة الهرب من واقع يتصف بالتخلف إلى تاريخ حافل، لكنه لا يصلح الاستشهاد به هنا وفي هذا الزمن بالذات!

أما المناداة بشعار (الإسلام هو الحل) فهي قضية أخرى، لأنها تؤدي إلى حالة من التغيب عن الواقع، والتخدير عن المتطلبات التي يتطلبها هذا الشعار. مع كون هذا الشعار حقاً، ومضمونه صحيحاً، لكن فهمنا له سلبي للغاية، فهذا الشعار نقطة سلبية في نفوس أبناء أمتنا، وليس كما يعتقد البعض أنه حالة من الوعي الديني والفكري والمعرفي ستكون إن اقتنع العالم بهذا الشعار.

الحالة العلمية والدينية والأخلاقية الراهنة لأمتنا تتناقض كثيراً مع هذا الشعار، فمتطلبات هذا الشعار كما ذكرنا لا تتناسب إطلاقاً مع وضعنا الحالي بالمجمل. لنقيس هذا على الساحة الاقتصادية مثلاً، هل نمتلك نظاما اقتصاديا حقيقيا متصلا بالمرد الأول للإسلام (القرآن والسنة النبوية) والحاجز الوحيد لتطبيقه هو اقتناع العالم به فقط!

المسألة الأولى التي يجب أن تتضح عند المسلم ليحقق مشروعاً ناجحاً في حياته هو تحديد البوصلة والهدف من عيشه، ما الذي يريده من حياته؟ وما هو الهدف الذي يريد الوصول إليه؟

الإجابة بالتأكيد لا، وهذا يدخلنا إلى مدخل آخر مرتبط تماماً بشعار(الإسلام هو الحل) وهو السؤال التالي: ما هي الخلفية التي يتطلبها هذا الشعار، ليصبح الواقع مهيئاً لتطبيقه؟! ولنجيب عن هذا السؤال لا بد من تفتيت هذا الشعار لنفهم الخلفية التي يجب أن تكون، ليكون هذا الشعار واقعاً نعيشه نحن، ويعيشه العالم معنا.

الإسلام لا يكون حلاً إلا عندما يصبح منهج حياة في نفوس أبنائه أولاً، ويصبح هو نظام التشغيل المتحكم في تفاصيل حياتهم وتوجهاتهم وأهدافهم ثانياً، ومن غير ذلك سنبقى نردد هذا الشعار مع صدى نستمع له، لكنه في الحقيقة لا يؤثر في الواقع.

هذا الكلام ليس كلاماً تنظيرياً فقط، بل هناك نماذج طبقته وجسدته ليكون واقعاً، ومن هذه النماذج المشاريع الفردية التي تصب أولاً وأخيراً في مصلحة الإسلام، خاصةً إذا علمنا أن العائد المادي من هذه المشاريع هو صفر.

من هذه النماذج مشروع برنامج صناعة المحاور، الذي غذى إيمان آلاف الشباب على مستوى العالم الإسلامي خلال سنة فقط، مع العلم أن تكلفة هذا البرنامج هو صفر، وكل العاملين في هذا البرنامج متطوعين لأجل الله فقط، ولا يوجد هناك أي عائد مادي أو غير ذلك من خلال هذا التطوع، وغالبيتهم غير معروفين، أي: يعملون من خلف الأضواء! الشاهد من ضرب هذا المثال هو ضرب صورة حقيقية لما ندعُو إليه، لكي لا يتهمنا البعض بأننا نتكلم في عالم المثاليات مبتعدين عن الواقع.

المسألة الأولى التي يجب أن تتضح عند المسلم ليحقق مشروعاً ناجحاً في حياته هو تحديد البوصلة والهدف من عيشه، ما الذي يريده من حياته؟ وما هو الهدف الذي يريد الوصول إليه؟ التحرك في هذه الحياة عشوائياً يخلق حالة من الضياع النفسي والاضطراب التي تشعرنا بالبؤس من الحالة التي نعيشها، أما إن توضحت الرؤيا وامتلكنا أجوبة حقيقية واضحة على هذين السؤالين:
1- ما الذي أريده من حياتي؟ 2- ما الهدف الذي أريد الوصول إليه؟

الاعتزاز بالهوية الدينية وما تقتضيه من متطلبات والنظر للحياة من خلال (لا إله إلا الله) هو بداية الطريق، ومن ثمَّ صناعة هدف حقيقي وواضح يجيب على سؤال لماذا أعيش؟

عندها ستصبح الحياة ألذ وأسلس حتى وإن امتلأ الواقع بالفساد والتخلف الأخلاقي والعلمي، والأجمل من ذلك إن كانت الأجوبة متصلة اتصالاً مباشراً بهويتي الدينية الإسلامية، وغايتها رضا الله عزوجل. البعض سيعتقد أن الكلام هنا كلام عام معتاد، سُمعَ كثيراً ودق آذاننا مراراً، ولم نجلب إلا ضياع الوقت من ذلك. في الحقيقة هذا الكلام غير موجود البتة في نفوس المسلمين، ولا يوجد له أي أثر، فالناس نسيت أنها خُلقت مكلفة تحمل رسالة يجب عليها تأديتها، وكلٌ يؤدي هذه الرسالة على طريقته التي يراها مناسبة، والتي يرى نفسه فيها أفضل من يكون في هذا المكان. 

الناس نسيت ماذا تعني (لا إله إلا الله)، قلة هم من يستحضرون شهادة التوحيد في حياتهم يحاولون من خلالها النظر للحياة.. نحتاج مشاريع فردية مبنية على رؤية نقدية إصلاحية هدفها المساهمة في بناء أفضل للحالة الراهنة التي نعيشها متصلة بـ (لا إله إلا الله)، أما العيش داخل الجو النقدي فقط وضرب المثل بالحضارة الغربية والجلد النفسي البعيد تماماً عن التحرك من خلال مشروع يحاول الشخص تجسيده، برأيي هو حالة من المساهمة في الانهزام النفسي فقط!

(الإسلام هو الحل) لن يستطيع تحقيق ذاته من غير صناعة متطلبات هذا الشعار.. (الإسلام هو الحل) هذا الشعار ليس شعاراً سحرياً يمكن أن يقلب حالة التخلف التي نعاني منها رأساً على عقب.. هذا الشعار يتطلب واقعاً يسمح بتحقيقه..

يمكن أن نلخص ما سبق بالتالي:
الاعتزاز بالهوية الدينية وما تقتضيه من متطلبات والنظر للحياة من خلال (لا إله إلا الله) هو بداية الطريق، ومن ثمَّ صناعة هدف حقيقي وواضح يجيب على سؤال (لماذا أعيش؟) ويكون هذا الهدف مبني على الغاية الأسمى وهي الحصول على تذكرة دخول الجنة، ومن بعدها الانصهار في محاولة تجسيد هذا السؤال والابتعاد عن مشتتات الحياة الكثيرة، واتخاذ الإسلام منهج حياة بمعناه الحرفي، اتخاذه المرد الوحيد الذي يتحكم في تحركاتنا وبوصلتنا. وهنا سنهيئ الفرصة لجعل (الإسلام هو الحل).

كثيرة هي المشاريع التي تنتظر من يبدأ ببنائها، مثل استخراج نظام اقتصادي وصحي وسياسي من القرآن والسنة متصلة بـ (لا إله إلا الله)، وليست متصلة بـ (لا إله) كما هو حال العالم في الوقت الراهن!
فالإسلام لا يكون حلاً! إلا عندما يصبح منهجاً في نفوس أبنائه!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.