أنصاف المثقفين.. ظاهرة أم ماذا؟

blogs - reading
بالاستقراء تبين لي أن معظم المشكلات في كل المجالات المختلفة سببها أنصاف المثقفين، أنصاف العلماء، أنصاف المهندسين، أنصاف الأطباء، أنصاف الاقتصاديين! فالجاهل لا يستطيع أن يصنع سفينة أما العالم فيصنع أمتن السفن لأنه يملك أدوات المعرفة وقوانينها، أما النصف عالم فيصنع لك سفينة لتغرق بها في منتصف البحر! فهو يمتلك أدوات المعرفة لكن لا يملك قوانينها.

أين تكمن المشكلة؟! الجاهل لا يؤذي إلا نفسه! الجاهل لن يضرك كثيراً فهو لا يستطيع حتى أن يبرهن على أقواله، أما نصف المثقف هو أشد خطراً من الجاهل! ونصف المعرفة أشد خطراً من الجهل! فالجاهل قد يحثه جهله على التعلم، أما المتعالم فقد حاز القشور وترك اللب فظن أن العلم هو هذه القشور! فلا هو عالم فينتفع بعلمه ولا هو جاهل في نظر نفسه فيتعلم.

نصف الطبيب هو من قرأ كتابا أو كتابين في الطب فصار يعرف الدواء لكنه لا يعرف قانون الدواء! يخلط الدواء بعضه ببعض فيصيب مريضه بالتسمم أو بالوفاة، ونصف الشيخ هو من قرأ مجلدا أو مجلدين فصار يعرف الحكم لكنه لا يعرف حال المخاطب أو أرض الواقع! فيخلط حالا بحال وأصلا بأصل، حتى أنصاف القراء أنفسهم ممن إذا قرأوا سطرا لم يكملوه أو إذا قرأوا سفرا لم ينهوه أو إذا قرأوا كتابا ظنوا أنهم أحاطوا بمجامع العلم وأتقنوا صنوفه، لكنه في الحقيقة هم كحسو الطير، ينقر هنا مرة وهنا مرة.

إن افتراق الأمة كان بسبب هؤلاء "المُنَصِّـفين" الذين يأخذون بالنصف ويتركون النصف الآخر، فالخوارج مثلاً أخذوا آيات الوعيد وتركوا آيات المغفرة، والمرجئة أخذوا آيات المغفرة وتركوا آيات الوعيد.

وهنا تكمن المشكلة! فنصف المثقف يستطيع خداعك بمصطلحاته التي لا يفقه هو نفسه مضامينها! فتراه يتكلم باصطلاحات العلماء لكنه متخبط في فحواها لا يفهم لها معنى، وغالباً ما نضطر إلى تصديقه لأنه يتكلم بلسان العلماء! أو بالأدق يسرق مصطلحاتهم! فلا نستطيع -كعوام- أن نعرف إن كان حقا عالما أم مخادعاً؟!

فمثلا تجد نصف الطبيب يستخدم نفس مصطلحات الطبيب كمصطلح (التداخل الدوائي) لكن في الحقيقة هو لا يعرف معناه أو في أحسن الأحوال قرأه في مقالة على أحد المواقع! ونصف الشيخ يستخدم نفس مصطلحات الفقيه كمصطلح (مفهوم الخطاب) أو (العادة محكمة) لكنه في الحقيقة لا يعرف مواطن توظيفها !

ولا تنسى أن افتراق الأمة كان بسبب هؤلاء "المُنَصِّـفين" الذين يأخذون بالنصف ويتركون النصف الآخر، فالخوارج مثلاً أخذوا آيات الوعيد وتركوا آيات المغفرة، والمرجئة أخذوا آيات المغفرة وتركوا آيات الوعيد، وهكذا الحال في باقي الطوائف أخذوا جانباً من القرآن وأغفلوا جوانب أخرى، وهنا أكد الله سبحانه وتعالى على هذا المعنى فقال (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (الفرقان: 59). فلا تسأل متعالما عن الله عز وجل فإنه حتما مضلك! لا تسأل أنصاف المتعلمين ولا أنصاف القراء! وهكذا في كل مجالات الحياة وفروعها! عليك بأهل الخبرة الملمين بجوانب الأمور، ودعك من هؤلاء المتعالمين المدعيين للثقافة زوراً.

الخطر الحقيقي وراء هذا النوع من المثقفين أنه تحول إلى ظاهرة خطيرة (ظاهرة أنصاف المثقفين) والتي أدت بدورها إلى (تدمير المهنة) و (قلة احترام التخصص)، فتجد من قرأ مقالاً في الطب ظن نفسه طبيباً ماهراً !، ومن قرأ مقالاً في الفقه ظن نفسه فقيهاً أصولياً! ومن قرأ مقالاً في السياسة ظن نفسه سياسياً محنكاً! فصار الجميع أطباء والجميع فقهاء والجميع سياسيون!! الجميع يعرف كل شيء عن كل شيء، فلا تكاد تعرض مسألة أو حادثة إلا والجميع يدلي بدلوه! فلا أحد يحترم المهنة ولا أحد يحترم التخصص.

لكن ما السبب وكيف العلاج؟! الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة ثلاثة أسباب أساسية وهي (قلة العلماء والمحسوبية وسهولة تناول العلم) فقلة العلماء أدى إلى ظهور هذا النوع من المثقفين المجترئ على القول بغير علم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) رواه البخاري.

من قرأ مقالاً في الطب ظن نفسه طبيباً ماهراً !، ومن قرأ مقالاً في الفقه ظن نفسه فقيهاً أصولياً! ومن قرأ مقالاً في السياسة ظن نفسه سياسياً محنكاً!

والمحسوبية هي من خيانة الأمانة، فصار الحاكم حاكماً بسلطانه لا باستحقاقه! وصار الفقيه فقيهاً بمجاملاته! فتسلط الجهال أنصاف المثقفين بينما أهل الكفاءة في الزوايا لا مكان لهم في ميزان المحسوبيات والرشاوي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

وسهولة تناول العلم حتى صار العلم في متناول الجميع، فمع وجود المصادر المفتوحة والإنترنت! تستطيع أن تجمع عشرات المقالات في ثوان معدودة فتأخذ منها ما تحب وتترك ما تشاء بدون أسس علمية أو مناهج بحثية متخصصة، وهنا أتذكر مقولة لأحد العلماء القدامى (لا تعلموا السفلة العلم) والسبب في ذلك أنهم سيأخذون من بعض العلم فيوظفوه بعيدا عن مقصده.

لكن علاج هذه الظاهرة يكمن في إصلاح أنفسنا أولاً وطرد أنصاف المثقفين ثانياً، فعلاج النفس هو بتأهيل الذات علي (التزام الحدود واحترام التخصص) مع (الاستزادة من الثقافة) وقد قال عمر بن عبد العزيز (رحم الله امرءا عرف قدر نفسه)، أسقطوا هؤلاء المتعالمين من حساباتكم، لا تجعلوا لهم شأناً، لا تلقوا لما يقولون بالاً، ولا تقفوا لهم على باب، و احرصوا على متابعة أهل التخصص، واتركوا عنكم المتعالمين أهل التلصص، وقديما قالوا (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب).