أزمة الطرق الإجبارية.. نقل الظنيات إلى مناطق القطعيات

blogs - جامعة إسلامية

لاتزال بعض الأورام الفكرية تحتل مساحات شاسعة من عقولنا تنجب عددا من الظواهر القاتلة التي تخلق أجواء مسممة ومفخخات فكرية تنفجر بين حين وآخر. انتقلت ظاهرة "التضييق الفكري" من مراكز السلطة إلى مناطق أخرى فغزت ساحات العلماء والمفكرين فما أن يصبح للعالم مكانة مرموقة وشهرة علنية في قلوب الناس؛ حتى يمارس سلطته تلك في البطش الفكري بكل مخالف له ولو في مسألة اجتهادية حتى يخيل لك أن كل ما يصدر عنه قطيعات لا تقبل النقاش.

لقد أدى انتشار تلك الظاهرة إلى تصديرها للواقع في صور مختلفة كان من أشهرها تحول أجزاء واسعة من المتغيرات إلى ثوابت وإلباس الأجساد الظنية ثياب القطعيات. وبهذا أشعل جمع من العلماء مواقد الحرب الفكرية على كل من خالف طروحاتهم وكانت أسلحتها: التشنيع بالمخالف، منع حكاية الخلاف، ومطالبة تلاميذهم بوضع الكرسف في آذانهم خشية سماع أدلة الطرف الآخر، وقادهم ذلك إلى كميات كبيرة من الغيبة والنمية والتحذير والتعرية للخصم الموهوم.

إنزال الظنيات منازل القطعيات انحراف فكري خطِر يتزعمه بعض المفتين اليوم ثم يرجعون عنه غدا وما كان قطعيا بالأمس صار عندهم اليوم ظنيا وهو في حقيقته ظني ولكن الحمية الأولى ساقته إلى مناطق القطعيات.

ورأيت من مظاهر هذا الورم الفكري المؤذي في أحاديثهم ومحاضراتهم جر الظنيات إلى مناطق القطعيات باستحضار أدلة القطعيات وإلحاق الظني بها بملحظ خفي ثم جلب كل أدلة القطعيات وتركيبها على تلك الظنيات وماهي بقطَعِها المناسبة. كما صنع بعضهم بمسألة التأمين التجاري حين ألحقه بالربا والقمار ثم ساق كل أدلة الربا على التأمين لما يلتحق به من وجه، فتحريم الربا والقمار قطعيان وإلحاق المسألة الجديدة بهما ظني لا قطعي، وهذا أسلوب يدل على فقدان مهارة الصنعة الفقهية وغياب هندستها الصحيحة.

يلجئ بعض خطباء الفقه الأعوج إلى هذا الأسلوب فيقودون الناس إلى مناطق قطعية وهي ظنية ويصرخون بصوت جهوري مستغلين وجوب صمت الحاضرين ليقولوا ما شاءوا من أقوال ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب وممارسة جريمة التشنيع وحشد تلك الأقوال على ضفاف المناطق الظنية وليس لها منها إلا الرائحة.

لا أدري كيف سيئول حال المجتمع فيما بعد إذا كان هذه الحشود الجرارة وذلك الشحن الآسن من أجل مسألة اجتهادية ظنية. وهو هو ذات الأسلوب الذي يتزعمه أقوام لجعل أقول المذاهب الأخرى في مسائل الصلاة مثلا أخطاء لتصدر مؤلفات تحت عنوان "أخطاء المصلين" وكثير منها أقوال في مذاهب أخرى.

التعمد في إثارة الوعيد في مسألة ظنية طريقة شنيعة لا يعرفها منهج السنة النبوية وكان خطاب الفقهاء الأخاذ يقتصر على بيان الأدلة وتبيين وجه الإلحاق أما حشد الوعيد والتهديد فطريقة عاجز لا يحسن الفقه ولم يسبق له أن غاص في بحوره. أرأيت كيف ناقشوا الحنفية في مسائل النبيذ الذي يسكر كثيره ولم يحشدوا عند بحثها ما في الخمر من الوعيد؛ لأن المخالف لا يعتقد بحرمتها فلا داعي لإثارة مشاعر المتلقي بتلك النصوص.

إن تثبيت التعامل مع المناطق الظنية كالتعامل مع المناطق القطعية فساد فكري وانحطاط فقهي مشين لما ينجب من أجنة مؤذية وأفكار تقود إلى مفخخات خطرة نجني مضاعفاتها على المدى. وما هذا الاستخفاف الذي نراه أتى على مناطق القطعيات إلا صنيعة ذلك الشيخ الذي أقنع الناس بأن تلك الظنيات قطعيات فلما اطلع المتلقي على خلاف قوي فيها ورأى من تقارب الأدلة أدركه الشك في تلك القطعية وماهي بقطعية.
 

إن إنزال الظنيات منازل القطعيات انحراف فكري خطِر يتزعمه بعض المفتين اليوم ثم يرجعون عنه غدا وما كان قطعيا بالأمس صار عندهم اليوم ظنيا وهو في حقيقته ظني ولكن الحمية الأولى ساقته إلى مناطق القطعيات. وهذا يقودنا إلى قتل العقل وإطلاق رصاصات الفكر الإرهابي ليقتل تلك التساؤلات التي تسرح وتمرح في عقولنا وما جاء الإسلام ليقتل العقل ويحبس بنات أفكاره لكنه أطلق له مناطق الظنيات ليعمل فيها اجتهاده ويقلب فيها نظره بما يوافق قصد الشارع والعيش في أجواء النص.

سيادة القول الواحد واستبداده على الملأ أشبه بحاكم دكتاتوري ينتظر لحظة الانفجار التي ولدها ذلك الضغط ويثير غبار الشكوك على غيرها من الأقوال. آمل ألا نقع اليوم والغد فيما وقعنا فيه بالأمس وأن يكون لخطابنا العلمي حس شرعي فاحص.

لقد كانت المتغيرات ثوابت عند البعض في حقبة من الزمن واشتد نكيرهم وعلا صراخهم وقادوا حملة من التراشق الإعلامي، والعناوين السحرية المسجوعة فلما استدار الزمان وتغيرت ظروفه وأحواله إذا بتلك الثوابت تصبح متغيرات بين عشية وضحاها. لقد قاد كثير منهم حملات عملاقة وتجييش لجيوش الفتاوى الصارخة وحشد الأدلة على كل جبهات الفكر للمنافحة عن تلك الثوابت وسادت أجواء القطيعة وقطع العلاقات وإعلان الهجر وسُدت كل أبواب التواصل ثم تغير الحال فأصبحت تلك الثوابت متغيرات بسبب ذلك التغول الجريء بإعلان المتغيرات ثوابت وجعلها دون ميزانها الصحيح، ودفعت الأمة ثمنا باهضا لهذه الجرأة العملاقة من أخوتها وعلاقاتها وما كانت هذه المسائل تستحق هذه التضحيات العملاقة في وحدة الأمة وألفتها.

حملات أخرى قادها أفاكون للنيل من قطعيات الأمة وثوابتها وجدوا لهم طريقا معبدا سهلا من خلال ذلك التحويل الشائن لتلك الظنيات وانزالها منازل القطعي، ثم كانت الخطوة الثانية بإثارة الشكوك حول ما تشكل في العقل أنه قطعي وهو في الأصل ظني وإظهار الخلاف سافرا أمامها فأحدث زلزالا هائلا في جميع مناطق القطعيات وما كنا نرجو أن نتحول اليوم للدفاع عن القطعيات ممن يحاول نسفها تحت معول الظني.

أرأيتم مخاطر ذلك وكيف أننا السبب في ذلك بحسن نية أو بسوئها. إنه الجهل يفعل بصاحبه أكثر مما يفعله غيره به. لقد قادت عدد من المدارس حملة مصادرة الآراء والحجر عليها بل وأغلقت الباب بشأن نسبية صحتها وكان هذا الحرمان أليما على قلوبنا فمزق ثلثي سنن الاجتماع التي لا تحابي أحدا.

إن سيادة القول الواحد واستبداده على الملأ أشبه بحاكم دكتاتوري ينتظر لحظة الانفجار التي ولدها ذلك الضغط ويثير غبار الشكوك على غيرها من الأقوال. آمل ألا نقع اليوم والغد فيما وقعنا فيه بالأمس وأن يكون لخطابنا العلمي حس شرعي فاحص، وهندسة فقهية أصولية عميقة، تجيد العيش مع النص، وتحسن التعامل معه بمجسات عالية الإرهاف والاستشعار. وبناء على تعريف الثابت والمتغير، والقطعي والظني وبيان الفرق بينهما ننطلق.