شعار قسم مدونات

آخر انتصارات الخلافة

مدونات - كوت العمارة

في عام 1914 وقبل شهر من اندلاع الحرب مع الدولة العثمانية أمرت لندن بإرسال قوة من الهند إلى الخليج العربي لحماية موارد النفط في بلاد فارس في حال تهديدها، وفي السادس من تشرين الثاني 1914 وهو اليوم الذي تلا إعلان بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، قامت هذه القوة بالتقدم، وسيطرت على الفاو، ثم احتلت مدينة البصرة، وكانت المقاومة العثمانية هشة هناك فالبصرة تبعد مئات الأميال عن مراكز القوات العثمانية الرئيسة.

أدت المقاومة الهشة للعثمانيين، وتقهقرهم إلى جر القائد "السير جون نيكسون" إلى العمق الموحل لإقليم بلاد الرافدين، أرسل نيكسون أحد ضباطه وهو اللواء "تشارلز فير فيريرس تاونشيد" أبعد فأبعد على طول النهر، وأمره أن يواصل السير إلى بغداد، وبالفعل استمر تاونشيد بالتقدم، وانتصر في طيفسون التي تقع على بعد 25 ميلا إلى الجنوب الشرقي من بغداد بعد أن خسر نصف قواته، وبعد أن وصلته أخبار بتولي القائد الألماني "كولمان فون دير غولتز" القيادة العامة للقوات العثمانية في العراق، وأن هناك الآلاف من الجنود العثمانيين في طريقهم لمساندة القوة العثمانية التي قاومته في طيفسون قرر الانسحاب.

وبعد أن خسر ألفا أخرى من الإصابات على طول مئة ميل اختار أن يتوقف في كوت العمارة. الكوت هي المساكن المبنية من الطين أو القصب والتي تبنى بجانب الأنهار، وكوت العمارة الآن هي مركز محافظة واسط إحدى محافظات جنوب العراق. كانت الكوت قرية موحلة تحيط بها مياه دجلة من ثلاث جهات فحصن "تاونشيد" نفسه فيها معززا جانبها الرابع حيث أصبح من الصعب دخولها على العثمانيين لكنه أيضا حكم على نفسه بعدم الخروج. قام العثمانيون بمحاصرة الكوت، وأرسلوا قوات إلى أسفل النهر لقطع الطريق على أي قوة قد ترسلها بريطانيا لإنقاذ "تاونشيد".
 

تكبدت قوات "تاونشيد" أكثر من 10,000 إصابة بالإضافة إلى 23,000 إصابة تكبدتها القوات التي سعت لفك الحصار "كوت العمارة"، كما أن محاصري الكوت خرجوا منها إلى الأسر، وواجهوا الموت على طول طريقهم نحو المعتقل.

وعلى الرغم من أن مؤونته كانت لا تكفيه حتى نيسان 1916 أرسل "تاونشيد" لقيادته أنه يمكنه الصمود حتى كانون الثاني، وأدت تقاريره غير المتوازنة إلى شن حملات لفك الحصار، وجرت عدة معارك كان مصيرها الفشل في كل مرة ومنها معركة شيخ سعد، ومعركة وادي كلال، ومعركة أم الحنة، ومعركة الفلاحية الثالثة، ومعركة بيت عيسى، والصناعيات، ومعركة سابس.

في السادس والعشرين من نيسان 1916 نفد ما لدى الإنجليز من مؤن، وبعد أن باءت كل محاولات إمدادهم بالفشل عرضت وزارة الحرب في لندن على "تاونشيند" خدمات كل من "أوبري هيربت" و "ت. ي. لورنس" في مفاوضات استسلام. في تلك الأثناء كان حصار الكوت قد أتم يومه السادس والأربعين بعد المئة أي أنه سجل رقما قياسيا في تاريخ الحصارات العسكرية.

عرض الرجلان اللذان كانا يملكان صلاحيات واسعة من لندن مليوني جنيه على أنور باشا القائد الميداني للقوات العثمانية الذي رفض بدوره العرض البريطاني. مما اضطر القوات البريطانية للاستسلام دون قيد أو شرط، تكبدت قوات "تاونشيد" أكثر من 10,000 إصابة بالإضافة إلى 23,000 إصابة تكبدتها القوات التي سعت لفك الحصار، كما أن محاصري الكوت خرجوا منها إلى الأسر، وواجهوا الموت على طول طريقهم نحو المعتقل.
 

كان عدد الأسرى الكامل 13309منهم 5 جنرالات، و476 ضابط منهم 204 ضابط هندي، و272 ضابط إنجليزي، و9580 جندي منهم 6988 هندي، و2592 إنجليزي، و3248 شخص بدون سلاح، (ومن بين هؤلاء 1305 بين جريح ومريض). وبهذا تكون بريطانيا قد ذُلتْ على يد خصم عثماني كان عديم التأثير من وجهة نظرها، وهذا ما وصفه المؤرخ البريطاني جيمس موريس عندما قال: بإنه "الاستسلام الأكثر إذلالاً في التاريخ العسكري البريطاني". وأصبح حصار الكوت يدرس في الأكاديميات العسكرية كأطول حصار في تاريخ الحروب.

وبالرغم من أن الإنجليز استولوا في العام التالي من هزيمة كوت العمارة على بغداد إلا أنهم لم يستطيعوا أن ينسوها وألفوا الكثير من الكتب عنها، وسعوا جاهدين لإغفال هذا النصر في البلدان التي تفرعت عن دولة الخلافة حيث كان نادرا ما يذكر في العقود الماضية في تركيا ولا أدري إن كان له ذكر في البلاد العربية(1) .

_____________________________________________
مصادر ومراجع:
1. ديفيد فرومكين، نهاية الدولة العثمانية وتشكيل الشرق الوسط.
2. مصطفى أرمغان، لماذا أغفل نصر كوت العمارة، يني شفق، http://www.yenisafak.com/yazarlar/mustafaarmagan/yazar-arsiv.
3. http://web.comhem.se/kut/kutt7.htm