الأُمّة القارئة هي القائدة

blogs قراءة

أُحب ذلك الوقت الذي يحين عندما تخطو قدماي بسرعة نحو المكتبة التي أرتادها بعد الفَينة والأخرى من أُسبوع لآخر لأقتني منها الكتب التي تُناسب ما تختلجه أحاسيسي وأفكاري. تبدأ ضرباتُ قلبي بالارتفاع عندما أكون على مقربةٍ من المكان، كُلّي حماسٌ لمواضيعَ جديدة وكتبٍ جديدة وكَذا كتاب مميزون، وما أجمله ذلك الشعور عندما أرى معلقةٍ مكتوبٌ عليها "تخفيضات في الأسعار". أبدأ أرمق في عيناي هنا وهناك، أبدأ من السطر الأول فالثاني ثم فجأة أصل إلى النهاية.

 

أُحاول أن أدقّق في كل عنوان وأبدأ بالتقاط الكتب التي تعجبني حاملةً كومةً كبيرة منهم، ثم أختار أفضلهم وأفضلهم. بعد ذلك أضع الكتب في الحقيبة، أركض إلى المنزل مثل فتاة صغيرة تجري إلى أمها لتبشرها بعلامة عالية آخِذة الأنفاسُ بالصعود والهبوط، شهيقاً ثم زفيراً متبعة بصوت متقطع، "لقد أحضرت كتباً جديدة يا أمي". ثم أنظّمهم الواحدة تلو الأخرى في مكتبة المنزل مُزيلة الغبار بقطعة قماش مبللة فيها رائحةٌ عطرة يبدو أنّ لها تأثيرها الخاص عند القراءة. 

أرتب غرفة نومي مُسدلة الستار الزهريّ عاكساً ذلك على لون فضاء الغرفة فيزيد شغفي في القراءة، ويكتمل جمال الأجواء بفنجان قهوة لا مرة هي ولا حلوة متزينةٍ بالرغوة التي تتشكل حسب وضعية الفنجان الذي أصنعه بيداي فأشعر أني ملكت الدنيا وما فيها. ترتيب الأجواء هي بمثابة خُطوةٍ تحفيزية للقراءة ولكن ليست الأولى، لأن أولى مراحل التحفيز هي اقتناء الكتب التي تناسب الهوى والمزاج. يجب أن نقرأ ما نحب وما نرضى والا ستتثبط الهمم ويجتاح الكسل أجسامنا ناخراً في عظامنا صانعاً منا أجساماً هرمة في غيرِ أوانها. 

اقرأ، هي بدايةُ الرسالة، ومفتاح الهداية وسر السعادة. اقرأ، شهادة ميلاد أمة، وبناء حضارة، وصناعة ثقافة. اقرأ، نبوءة لهذه الأمة بالسيادة والريادة والصعود للقمة. نعم، أمة اقرأ عندما كانت تقرأ سادت وفتحت البلاد وحرّرت العباد وأخرجت البشرية من الظلمات إلى نورِ الله

لن أُسهب الحديث كثيراً عن العصر الظلامي الذي قيّدني قبل الدخول إلى عالم القراء. ظننت نفسي أني من أولئك الذين يشعرون بالسآمة عند رؤيتهم الكتب. ظُنوني لم تكن في محلّها لأني ارتكبت خطأً عندما اخترت العناوين الغير ملائمة لي، فكنت أبدأ القراءة حتى نصف الكتاب ثم أتركه، وأبدأ بآخر أقرأ مقدمته ثم أصرف النظر عنه، ولكن عندما عزمت على اختيار المواضيع التي تجذبني، بدأت حكاية الشغف الغير منتهي مع الكتب.

اقرأ، هي بدايةُ الرسالة، ومفتاح الهداية وسر السعادة. اقرأ، شهادة ميلاد أمة، وبناء حضارة، وصناعة ثقافة. اقرأ، نبوءة لهذه الأمة بالسيادة والريادة والصعود للقمة. نعم، أمة اقرأ عندما كانت تقرأ سادت وفتحت البلاد وحرّرت العباد وأخرجت البشرية من الظلمات إلى نورِ الله الذي لا يغيب. اقرأ وارتق وكن من النخبة والصفوة من البشر. اقرأ وابذل مالك في سبيل الكتب وكن ممن كتب لهم الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة. اقرأ، وكن شخصاً مختلفاً مميزا في مجتمعك واصنع من نفسك انساناً آخر، فتُعرف وتُمَيّز. اقرأ، لعل آخرون اتبعوا سبيلك وطريقك فكنت سبباً في خلاصِهم وتحريرهم. 

أختم حديثي بأبيات شعر على لسان أبو الطيب المتنبي، حيث أنّها من الأسطر التي لم تنفك المؤسسات التعليمية والمكتبات العامة نشرها وتعليقها وتخطيطها بشيء جاذب للمارة والمهتمين علّها تؤثر بهم وتثري انتباههم، لكن هي من أجمل ما قيل فيما يخص القراءة:

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنَى سَرجُ سابِحٍ … وخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كتابُ