المدارس لا تُربّي أولادنا

blogs الأطفال

لا شك أن التربية الأخلاقية والتربية العلمية من الأهداف الرئيسية للمدارس والمراكز التعليمية!، لكن وعلى الرغم من رفع هذه المدارس شعار "التربية والتعليم" إلا أنه وللأسف الشديد لا تهتم معظم المدارس بالجانب الأخلاقي والتربوي للطلاب. وسأوضح في هذه المقالة مع ذكر الأسباب كيف أن المدارس لا تهتم بالجانب التربوي للطلاب. هل المدارس حقا تربي أولادنا؟؟

(1) التربية الأخلاقية:-
دعني أخبرك في البداية أن عيون الأطفال ما هي إلا كاميرات مراقبة وأسماعهم أشرطة تسجيل!، وكل ما يراه الطفل من أستاذه لا ينساه أبدا، أتذكر لما كنت في المدرسة في المرحلة الابتدائية وكان أحد المدرسين يتغزل في والدة أحد الطلاب بعد انصرافها، كنا أطفالا وقتها لم نكن نفهم شيئا من هذه الأشياء! لكن للأسف لم تمحى هذه الذكريات من رؤوسنا إلى أن كبرنا وفهمنا معناها!

وللسبب ذاته أمر الله سبحانه وتعالى الآباء أن يعلّموا أطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم أدب الاستئذان قبل الدخول عليهم في ثلاثة أوقات من اليوم -وهي أوقات الخلوة غالبا- حتى لا يروا ما يسوءهم! قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ).

إنّ إكراه الطلاب على التحصيل ينشأ عنه طالباً كارهاً للعلم، وتركُ الطالبِ على هواه يؤدي إلى إهماله العلم، ونقل الطالب من بابٍ لبابٍ وفرعٍ لفرع دون إتقانٍ لما تلقاه يؤدي إلى سوء فهم، وهي من أسوأ الآفات في جانب التربية العلمية

إن المعلم هو قدوة الطالب، فمن السفه الجلي أن يتصدر لتربية الطلاب وتعليمهم من يحتاج إلى إصلاح نفسه أولاً!، إذ كيف يربي أبناءنا وهو إلى ذلك أحوج!، كالطبيب الذي يداوي الناس وهو بدائه عليل!، قال عمرو بن عُتبة لمعلِّم ولده (ليكُن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت).

دعني أحدثك عن مدرس القرآن الكريم وهو يمسك المصحف بيده ويدخن السيجارة باليد الأخرى في مشهد مقزز يزرع في نفس الطالب الاستهتار بكلام الله وعدم احترام كتابه! ومدرس اللغة العربية الذي كان يُحضِّر الدرس الجديد في الفصل في مشهد عبثي يعلم الطالب الإهمال وعدم تحمل المسؤولية!، ومدرس الرياضيات الذي كان يضرب الطلاب على وجوههم كل لحظة في مشهد ساقط يعلم الطلاب الهوان وتقبل الإذلال!

أقسم لكم بالله غير حانث أنني ما زلت أتذكر مدرس اللغة الإنجليزية وهو يسألنا في الفصل ذات مرة "أي نوع من الأفلام الجنسية تفضلون؟" ثم عقب بقوله "أنا شخصيا أحب….!!" وبدأ يشرح للطلاب عن أفعاله العفنة وأوهامه القذرة!، لك أن تتخيل حجم هذه الكارثة التي لا يعرف عنها الآباء شيئا ثم يتساءلون بعد ذلك "ما الذي أفسد أبناءنا؟!" ، للأسف يعتقد الكثير من الآباء أن سبب الفساد هو أصدقاء السوء وفقط!، لكنهم لم يدركوا يوماً أن الفساد قد يكون من معلم السوء!

السبب في ذلك هو انتشار الفساد العام في الجانب الأخلاقي بين الناس واستسهال المجاهرة بالمعاصي وعدم اهتمام هيئات التوظيف المختصة بالجانب الأخلاقي للمعلم، لكن بالتأكيد يختلف حجم هذا الفساد التربوي في المدارس من معلم لآخر ودولة لأخرى!، فدولة تؤمن بالرشاوي في تعيين المعلمين ليست كأخرى تقوم بالفحوصات اللازمة على المتقدم لهذه المهمة العظيمة.

(2) التربية العلمية:-
لن أتطرق في مقالتي عن التعليم في المدارس لكن سأقتصر على الناحية التربوية في الجانب التعليمي. من الأمور الخاطئة في التربية العلمية عدم معرفة بعض المعلمين طرق تجسيد المعلومة في عقل الطالب، فتجد بعض المعلمين همهم الأكبر هو الانتهاء من الدروس المقررة بأسرع وقت وأكبر كمية في الحصة بغير مراعاة لحال الطالب!، وفي هذا يقول عمرو ابن عتبة في نصيحته الذهبية لأحد المعلمين: "علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم".

إن المعلم الخبير يصل بالعلم إلى قلب الطالب قبل فهمه، ويصل إلى إدراكه قبل حفظه، والمعلم القدوة يصل إلى سلوك الطالب حتى قبل نُصحِه!

إنّ إكراه الطلاب على التحصيل ينشأ عنه طالباً كارهاً للعلم، وتركُ الطالبِ على هواه يؤدي إلى إهماله العلم، ونقل الطالب من بابٍ لبابٍ وفرعٍ لفرع دون إتقانٍ لما تلقاه يؤدي إلى سوء فهم، وهي من أسوأ الآفات في جانب التربية العلمية.

كما أن المعاملة الخاطئة للطلاب وعدم استخدام العقاب المناسب يؤثر على الجانب العلمي للطلاب، وغالباً ما يربط الطلاب بين ما يدرسون وبين مدّرس المادة، فترى بعض الطلاب يكره مادة اللغة العربية بسبب ضرب المدرس له، وبعضهم يكره الرياضيات بسبب وصف المدرس له بالفشل! لينشأ بذلك جيل من المعقدين أو المحبطين.

الخلاصة هي أن المعلم الخبير يصل بالعلم إلى قلب الطالب قبل فهمه، ويصل إلى إدراكه قبل حفظه، والمعلم القدوة يصل إلى سلوك الطالب حتى قبل نُصحِه!، وغياب المعلم القدوة والمعلم الخبرة من مدارسنا أدى إلى ظهور جيل من الطلاب كارهين للعلم غير متحلين بالخلق، وليس أقبح عند الله من قليل علم عديم خلق!، فلا بالعلم انتفع ولا بحسن الخلق اتصف.