الذاكرة قد امتلأت

blogs صور قديمة

يا لهذه الذاكرة التي نملكها كم تحتوي من ثقل وأوزان حملناها بين أضلعنا، عمرنا كله واستوطنت عقولنا بسِعة تخزين فائقة وبلا – جيجا- محددة بحيث لم تردنا رسائل (بأن الذاكرة امتلأت وعجزت خلايا المخ عن حملها، رجاءاً امسح الفائض، حتى يتسنى لك ملئها من جديد، وإذا تلقينا الرسالة فالسؤال الذي يطرح نفسه، ترى بأي شيء أبدأ؟ وهل مسحها يزيلها حقاً أم أنها سكنت شرايين تتدفق طالما هناك أنفاسٌ تتردد، ليتها كانت مثل سهولة تنظيف الهاتف المحمول من رسائل قديمة، وصور متكررة، ونصائح لم يقرأها من أرسلها، ناهيك عن تهنئة العيد والسنة الجديدة وأعياد ميلاد أنهت سنوات الصبا وبكل سذاجة نطفئ شموع العمر بفرح!

 
ماذا بقي لنا في ثقوب ذاكرة لا تحمل سوى هماً فوق هم، تخللتها لحظات فرح مسروقة لم تدم معنا طويلاً ولعلها قد أحيّت فينا رغبة البقاء، مشحونة بأمل واهٍ بأن يزورنا الفرح ولو (كل سنة مرة) ليحي قلوبنا التي سكنها الحزن طويلاً. كلما مررت على صوري القديمة لا أرى نفسي بقدر ما أرى زمناً عشته ثم تركته وراء ظهري طمعاً بأجمل منه، ثم تأتي الصورة الأخرى وقد أطلّ جواب الطمع بالأجمل واضحاً جليًّا على وجهي. 
 

صورٌ ورسائل صمود ومجد نضال ما زال حتى اللحظة قائماً، فكيف بالله نمحوه!! وأيضاً انتصارات عشنا بها متعة الانتماء لوطن اللغة والدين والعرِق، فكل نصرٍ للعرب – على قلته – نصرنا وكل وقفة عزٍ على ندرتها، عزنّا

كثيراً ما تُطل من عيوننا نظرات تعكس حال أرواحنا، ولهذا تُخبر صورنا القديمة أكثر كثيراً مما خلناه قد اختبأ بعيداً عن عيون من حولنا، في كل صورة قصة لم تُروى بقيت حبيسة داخلنا لا يعرف غيرنا عنوانها وتفاصيلها الساكنة خلف حدقة عين ضاحكة للمصور والنَّاس حولنا، بعض القصص قد لا ترى النور أبداً، وأكثرها لا يُترجم لكلمات، فيها حروف سعادة وبقايا براءة، وأحلامٌ لم تصحوا من رقدتها، ولهذا صعبٌ جدا مسح صور حملتنا بكل ما حملنا! 

مرّت بنا لحظات انكسار أوطاننا، كسرت في دواخلنا آمالا كباراً بوطن آمن، عشقنا ترابه الذي وطئناه بعزٍ شابه كثيراً تراب وطن محتل ما عانق خطواتنا يوماً كما عانق قلوبنا التي تمنت أن يحتويها بعد توقف خفقاتها، صورٌ ورسائل صمود ومجد نضال ما زال حتى اللحظة قائماً، فكيف بالله نمحوه!!  وأيضاً انتصارات عشنا بها متعة الانتماء لوطن اللغة والدين والعرِق، فكل نصرٍ للعرب – على قلته – نصرنا وكل وقفة عزٍ على ندرتها، عزنّا، وكل بلدٍ يُرفع الآذان فيها نُصلّي خلف إمامها ولسان حالنا يقول – سمع الله لمن حمده -.

لعل ما تحمله ذكرياتنا هو حقاً نحن بكل ما فينا، ويبدو أنها تماما كالخوف من مسح الصور القديمة بألا يُعيدها الزمن ثانية، كيف وقد كانت ولا زالت تُشكل ما نحن عليه اليوم، ليس ما أنشأنا عليه آبائنا، وليست ما حفرته المدارس في عقولنا، وأيضاً ليس ما اخترنا تعلمّه في الجامعات، ولا ما تعلمناه في الدنيا وعلَّم في نفوسنا، بل ما مرّ علينا وحولنا من حوادث وصراعات وقصص بطولات قام بها غيرنا، مآسي أوطان عروبتنا، صمود رجالٍ قاوموا القهر والذل بكل ما يملكون، ونحن معهم بأضعف الإيمان، بقلوبنا لا بألسنتنا، كل ذلك شكّل أفكارنا وقرارنا الذي أصبح الآن ذكريات ملأت جدار أدمغتنا وعلينا مسحها لأن قراراً صدر – Memory is full – .
 

لن أمسح ذاكرتي، ولن أستبدل بها عمراً قادماً نظيفاً خاليا من مآسي الماضي الذي كان جميلا بكل قسوته، وربما زار خلايا دماغي خٓرٓفٌ أقوى من كل عوامل التحديث، فمسح عنها ذكريات حديثة وترك لي ذكرى الأمس والطفولة كما يحصل غالباً

يبدو أن العصر السهل السريع الذي نعيشه حالياً، لا يشبه أبداً واقعنا الحقيقي، هي وسائل مريحة لعيشٍ سطحي خالٍ من العمق، نحيا فيه بلا ذاكرة، لأنها عبئ على المحتوى! غير ذلك التحديث المتكرر الذي يعبث بأعصابنا حيث تتهاوى أفكارنا كالرمل ينساب سريعاً بين أصابعنا وتتساقط معه مشاعرنا الحالية كي نعطي غيرها مجالاً وكأننا آلة صماء صنعت لوقتٍ محدد بانتظار الأحدث الذي كلما جاء أخذ منا أكثر بكثير مما أعطانا، لا أريد تحديث ذكرياتي ومشاعري، يكفي ما أصاب قلوب بعد تحديثها، حيث ضاعت رقتّها وجمال نبضاتها بذلك الرتم المتلاحق للوصول الى تقدمّية مصطنعة واهمة ذات مشاعر وذكريات افتراضية أسست لزمن قادم حياة أشبه ما تكون بالنسخ التي لا تغني أبداً عن أصلٍ حقيقي ضاع وأضاع معه جيلاً بأكمله.

لن أمسح ذاكرتي، ولن أستبدل بها عمراً قادماً نظيفاً خاليا من مآسي الماضي الذي كان جميلا بكل قسوته، وربما زار خلايا دماغي خٓرٓفٌ أقوى من كل عوامل التحديث، فمسح عنها ذكريات حديثة وترك لي ذكرى الأمس والطفولة كما يحصل غالباً، فتصبح حياتي بلا عبئٍ يُثقل سِعتها ولا رسائل تنظيف عاجلة تحثني على البدء بصفحةٍ نظيفة بيضاء من التخزين الذي يملأ جعبتها وبلا لافتات عدم الإزعاج، ولا بريد مستعجل، بل بخصوصية الوحدة الخالية من كلمة – آي – بكل ما تحتويه من تكنولوجيا، لأحيا بلا Memory .