يسألونك عن النِعَم

مدونات - الدعاء

شيء بدا لي تاما في تلك اللحظة، وجودها جعلني أشعر بالكمال بطريقة لم أعهدها من قبل، اكتشفت أني وبكل ما بي من ضعف ووهن إنسانة ذات حظ عظيم. ازدادت رغبتي للتعرف عليها أكثر، مظهرها الخارجي يجذبك لتقترب منها وتكتشف خباياها بعد أن كنت أشيح بصري ثم أخفضه محاولة التخلص من الجحود الذي يعتريني مع كل لقاء يجمعني بها . بعد أن فتح باب الاعتراف على مصراعيه لم أعد أحتاج لخلق الأعذار وتبادل الهموم.

 أدركت كيف تضرب النعم مواعيدها دون أن تأخذ إذنا من أحد، لم أعد أنتظرها، أصبحت أراها في كل مكان، يعانق أحدنا الآخر على هيئات مختلفة أظل أراقبها ونفسي تتوق إلى أن تقول لها " يا نعمة من الله إلي، حفظك الله ورعاك " كنت أداري رغبتي في أن أصرخ في وجهها "لا تذهبي أخاف عليك من الزوال.

هي معادلة بسيطة، إما أن تثق بأن الله رازقك وإن أجمع كل البشر أن يسلبوك رزقك فتكون من المتوكلين الشاكرين أو ألا تؤمن بقضاء الله وقدره فتكون من المتواكلين النادمين.

"قرأت ابتسامتها النابعة من حكم القدر، أردفت قائلة "لدي من الخيرات ما يفتح أمامك أبواب الصلاح والتمكين" لا أعرف ما حدث شيء ما أيقظ ما هو ميت في أعماقي، صوت مزيج بين العتاب وبوادر الإصلاح، ضللت الطريق إليه أول الأمر، مجهول المصدر، حاولت من خلال صداه معرفة شيء قد يساعدني على إيجاد ضالتي، بحثت عن شخص أعرفه إنه أنا، أبلغت عنه وسلمته الشرطة، لم أستطع الذهاب قبل أن أتأكد من أنني صرت بأمان وأن كل شيء سيكون على ما يرام وأنني في الطريق لأولد من جديد.

كان ولا بد أن أفقد الجزء الميت من ذاكرتي ليحل محله آخر ينبض بالحياة، حياة مؤقتة، مجرد إعارة مستخلفين فيها، تمنحنا نعما وتسلب منا أخرى وفق قانون سماوي لا ريب فيه يقتضي شكر النعم والصبر على المحن مع بذل ما بوسعنا لتسخيرها في خدمة الدين إرضاء للمنعم وعبادة نتقرب بها إليه. هي سنة كونية يتباين توزيعها من إنسان لآخر نتدبر من خلالها قدرة الخالق وحكمته.

لطالما كنت أحاول أن أضمن شكر النعم شعورا حقيقيا، كان الطريق إليه شاقا تتقلب فيه بين ضحية أو بطل لمحاولاتك، إما مستسلما لضعفك وبشريتك تارة أو مجاهدا لعيوبك ونواقصك تارة أخرى. لا يمكن أن يتحول شكر النعم شعورا حقيقا إلا بتأشيرة الثقة بالله، هي معادلة بسيطة، إما أن تثق بأن الله رازقك وإن أجمع كل البشر أن يسلبوك رزقك فتكون من المتوكلين الشاكرين أو ألا تؤمن بقضاء الله وقدره فتكون من المتواكلين النادمين.

إن النفس عجلة الحياة، هذه الأخيرة إن لم تكن مسلحة بالعلم والإيمان ستموت حتما عند أول امتحان رباني لها، ستموت مرتين، مرة عندما تقبل الدنيا عليها ومرة أخرى حين تدبر. ثم إن الإنسان بطبيعته يعتاد وإذا افتقد يحن، فعطش الحياة لا يرويه إلا وجود النعم حتى إن بعضها ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، الحديث عن فقدانها أحيانا مر فعلا يجعلنا نتساءل "كيف النجاة؟"، لكن من أدرك أن الدنيا دار تعب والتواء لا دار راحة واستواء لن تضعفه مرارة الفقدان .