لن أقول لك لا تحزن

blogs حزن

يجلس وحيدا في أي مكان يروق له، ويتجاهل جميع رسائل من حوله التي تدعوه للنهوض من جديد، تملأ العبرات عينيه ولا يدري هل يلقي بها في بحر قلبه أم يجعل منها بحرا متلاطمةٌ أمواجه ليجتازه بشراع إصراره، تدور داخله آلاف الأسئلة وتنهال عليه روحه بصنوف من العتاب واللوم، يبتعد عن مجتمعه ويلقي الستار على دوره فيه معلنا انتهاءه، ومن ثم يسلك طرقا غير مأمونة العواقب.. هذا حال الإنسان حينما يفرط في حزنه.

لا تكمن المشكلة في الحزن بحد ذاته، بل في المبالغة فيه وجعله غطاءً لأمور الحياة الأخرى، فقط لأن الفرد ملّ من الصعاب التي تواجهه، والآمال التي تحطمت بخيباته، والأحلام التي اهترأت لكثرة ما أعاد محاولاته في تحقيقها، فبعد أن كان شعلة لمجتمعه، أصبح نارا يحاول إحراقه، وسببا في جلب المشاكل له و لأفراده، خاصة بعد إغلاقه الباب على إبداعه وقدراته التي كانت ستُحدث فرقا في حياته لو أنه لم يجعل من الحزن بندقية ومن وساوس الشيطان رصاصات لتلك البندقية.

 

ومشكلة كهذه -وخاصة حينما تواجه الفئة الشابّة- يجب الوقوف عليها وطرح أسبابها وحلولها، ومن رؤيتي فإنني أرجح أن مردّ ذلك هو اعتمادنا على الناس في حل مشاكلنا أكثر من اعتمادنا على الله ومن ثمّ أنفسنا، ونسياننا أن الله سميع للآلام الظاهرة والمختبئة، وأنه لطيف لما يشاء، فحاشاه سبحانه أن يغلق كل الطرق في وجه عبده اللاجئ إليه من ضعفه ونقصه، وطالما كان الإنسان على اقتناع تام في أن الحزن ما هو إلا إثبات لنقصه ليعود للكامل القادر على شفاء جروحه بضماد آياته وأحكامه فبالتأكيد لن يجلس ينتظر المفاتيح بل سيبحث عنها.
 

مما لا شك ولا نقاش فيه، هو كون الحزن عاطفة فطرية أودعها الله في الإنسان، ولا يمكن إخماد فتيل نارها بشكل كامل وقطعي، بل إنني أراها أحيانا حقا للإنسان، ولا كلمات لها القدرة على إسكات ذلك الحق ومحوه تماما من نفسه

وسيخسر كل المفاتيح وتضيع منه، حينما يتصوّر أن راحته ستكون في إغلاق باب عطائه وإذبال ملامحه وتهميش ابتسامته ومخاصمة من حوله وجعل ذلك منهجا لحياته، لأنه تصور خاطئ وظالم بحق نفسه، وفيه سوء ظن لحسن الله لعباده الضعفاء في مصائبهم. 

ومما لا شك ولا نقاش فيه، هو كون الحزن عاطفة فطرية أودعها الله في الإنسان، ولا يمكن إخماد فتيل نارها بشكل كامل وقطعي، بل إنني أراها أحيانا حقا للإنسان، ولا كلمات لها القدرة على إسكات ذلك الحق ومحوه تماما من نفس الإنسان، مهما كانت تلك الكلمات مزخرفة بأحجار المشاعر الكريمة، فأن تواسي شخصا اقتنص الحزن قلبه بقولك له: "هذا كله لن يفيدك بشيء" أو "عليك ألّا تحزن وتكون سلبيا" من غير الاستماع لأصل المشكلة واحتواء مشاعره فهو غالبا لن يستمع إليك وسيغلق أذني قلبه وعقله وسينتظر انتهاءك ليهرب بعيدا لغابات تفكيره التي قد تجعله يضيع ويضلّ أحيانا.

 

وسيبتعد عن مواساتك التي لا تزيد روحه إلا ثقلا آخر، ولكن حينما تحاول التقليل من تعنيفه، وتقدير حزنه وعدم تسفيه مشاعره والتعالي عليها بحجة " أنا أفهم أكثر منه" فسيكون مدى استماعه لنصحك وتطبيقه أكثر فاعلية، فما فائدة الكلام المجرّد والنصح إن كان خاليا من شعور الحب لمن أمامك؟ فمثلا أنت، لن تمر حياتك من غير الشعور بألم أو ضعف يصيبك، وستحتاج في هذا الموقف لمن يرشدك -من بعد الله- إن ضللت، من غير ظلم يفرضه على مشاعرك، ووصفه لك بالغبي الذي يسير وراء عاطفته، فطالما أنك لا تحب هذا الشعور، فلا تجعل من حولك يعيشه لتبدو مثاليا وكاملا، فالكمال لله.

سأقول لك احزن فأنا لن أستطيع منعك من الحزن إن قلت لك لا تحزن، لكن لا تفرط في حزنك فدعوتك ومجتمعك وأمتك بحاجة إليك

جميلٌ أن تحاول دائما استثمار حزنك والغوص في بحاره لتجد في أعماقه لآلئ الفكر، ومن الأمور التي تجلب الراحة لقلبك وترزقك السلامة لصدرك هي عدم سماع الذين يقولون "هذا عاطفته هبلة" فقط لأنك أبديت حزنك لأمر ما بقصد أو بغير قصد، وجميل ألا تكون عدوانيا معهم فهُم بشر يخطئون ويصيبون، لا بأس بأن ترحل لذاتك وتكتشفها إن شعرت أنها غريبة عنك، وأن تعتزل متاع الحياة وصراعاتها وتعطي لروحك استراحة محارب.

لكن المهم ألا تجعل هذه الاستراحة تتحول إلى استقرار على هذه الحال، بل أن تجعلها فرصتك التي أهداها الله لك لتنمية مواهبك، ولصقل أفكار جديدة، ولتربية نفس قوية ثابتة، ولتسخير طاقاتك الهائلة في إحداث التغيير لك أولا ولمن حولك ثانيا، سأقول لك احزن فأنا لن أستطيع منعك من الحزن إن قلت لك لا تحزن، لكن لا تفرط في حزنك فدعوتك ومجتمعك وأمتك بحاجة إليك.