تشوهات في فهم النص.. تصدير النهي بلا اقتضاء

مدونات - الفقه
الذي عليه الأصوليون أن النهي الشرعي إذا كان في باب الآداب (من الطعام والشراب واللباس وغيره) فهو يفيد كراهة التنزيه وهذا الاطراد أصبح إجماعا عندهم من خلال التتبع والاستقراء ما لم يرد مستثنى يتجلى بوضوح. لقد جعل كثير من الأصوليين كون النهي في باب الأدب قرينة صارفة له من التحريم إلى الكراهة، لأنهم بتتبعهم وجدوا كثيرا من النواهي في هذا الباب قد انعقد الإجماع على أنها ليست للتحريم، وكثير منها حمله الجمهور على التنزيه، وعللوا ذلك بأن ما كان من باب حسن العشرة والمخالقة بالتي هي أحسن، أو من باب التصرف فيما يملكه الإنسان، أو من باب حسن الهيئة ونحو ذلك ممّا ليس حكمه تعبديا محضا يناسب حمله على الكراهة التنزيهية".

فما بال كثير من المفتين والوعاظ والخطباء يومنا هذا يتشنجون عند سرد تلك المنهيات ويحشدون أسراب الوعيد وتهديداته الصارخة إذا لم يلتزم الناس بذلك النهي في الآداب ويُصوَّرُ للناس أن فاعل ذلك النهي في النار لا خروج له منها ما لم يتب، بل وتحركت معامل انتاج الفتوى المستعجلة إلى تحويل ذلك إلى أبواب العقائد وأن مقتضى الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم في تلك الآداب.
 

تخيل الوعيد والتهديد الذي يكيله خطيب لجمهوره في مسألة لبس الخاتم بالوسطى لحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم في الأصبع الوسطى والسبابة، كما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في أصبعي هذه أو هذه، فأومأ إلى الوسطى والتي تليها. مع أن النهي للتنزيه كما قال الإمام النووي في شرح مسلم لمدلولات عرفية أخلاقية.
 

الفقر بالآلة الأصولية ومناهج الفقهاء الذي يعيشه مجاميع من طلاب العلم الشرعي جعلهم يحمّلون النصوص ما لا تحتمل من مفهومها ودلالاتها ويسرحون بها واد آخر غير طريقها.

ودقق في فقه الإمام البخاري حين توقف في بيان حكم الاستنجاء باليد اليمنى ولم يصرح ؛ لأنه لم يتبين له وجه النهي، قال الحافظ في الفتح: "في كلامه على باب النهي عن الاستنجاء باليمين، قوله: باب النهي عن الاستنجاء باليمين أي باليد اليمنى وعبر البخاري بالنهي إشارة إلى أنه لم يظهر له، هل هو للتحريم أو للتنزيه؟ أو أن القرينة الصارفه للنهي عن التحريم لم تظهر له وهي أن ذلك أدب من الآداب، وبكونه للتنزيه قال الجمهور". انتهى.
 

ما أذكى هؤلاء الأئمة في فهم مفاصل الشريعة ودقائق أحكامها وفحوى خطابها الحكيم. الذي يراعي المستوى العام للفهم الجمهوري بتعبير الإمام الشاطبي.
 

إن الفقر بالآلة الأصولية ومناهج الفقهاء الذي يعيشه مجاميع من طلاب العلم الشرعي جعلهم يحمّلون النصوص ما لا تحتمل من مفهومها ودلالاتها ويسرحون بها واد آخر غير طريقها. وحين طغى الفقه الحديثي مجردا على الفقه المذهبي الذي ظل طوال حياته ينسج الفرع على الأصول، ويشيد ضوابطها وتقعيداتها، بل وتم تجريم ذلك الفقه بدعوى بدعيته واتهامه بالغياب عن منطقة الدليل، ضاعت مناهج الفقهاء وتبددت أصولهم حين قام قائم الظهيرة يقول مع سبق الإصرار والترصد: "الحجة في الدليل!" هكذا مجراد بلا فحوى وبلا دلالة وبلا مفهوم.
 

إنهم بذاتهم من عناهم الإمام الشّاطِبِي وحدد منطقهم، وعد نفسه مقلدا على مناهج الفقهاء الوثابة تلك تواضعا منه فقال : "ومراعاة الدليل أو عدم مراعاته ليس إلينا معشر المقلدين، فحسبنا فهم أقوال العلماء والفتوى بالمشهور منها وليتنا ننجو مع ذلك رأسا برأس لا لنا ولا علينا" فتاوى الشاطبي119.
 

ألا يحسن بهم التفريق بين تلك المنهيات وما يقف وراء النهي منها ليتم فهم الإسلام بصورة مستقيمة من خلال منهيات تحريم وكراهة، وأوامر إيجاب وندبة، وما الواجب تجاه القسمين عند الحديث إلى جمهور الناس بما يترتب عليهما. معرفة الفرق بين الدين والتدين، وبين الكليات التكميلات والتحسينات، وبين درجات الإلزام في الأمر والنهي ضرورة مهمة للمفتي والواعظ والخطيب، حتى لا تفسد لغة الخطاب الشرعي، ومراده الذي وضع له، ومدلوله الذي منه يفوح.