شعار قسم مدونات

إخوان اليمن.. أدبيات الجماعة والوجوه الجديدة

مدونات - إخوان اليمن
أكتب وأنا القادم من القرية النائية عن المدينة، متذكرا حلقات الفجر، وهديل القرآن الذي كان يصدح من نوافذ وأسطح المنازل؛ أكتب ولا أزال أتذكر لحن نشيد الانصراف من طابور الصباح، والحق يحشد أجناده، ويعتد للموقف الفاصل، وتلك الفعاليات المختلفة التي كانت لا تتوقف في المدرسة.
عزيزي القارئ هل عادت بك الذاكرة إلى الوراء قليلاً، هل تساءلت ما الذي أريد أن أقوله في هذا الأسطر القليلة؛ دعني أجيبك.. ما أريد قوله، هل تجد اليوم فرقاً بين أولئك وهؤلاء، أتساءل وأنا أستحضر في مخيلتي تلك الأسماء التي جاءت مندفعة ضد كثير من القيم التي كان مربوهم يفخرون بها ولا زالوا، ويرونها من الفوارق التي تدفع الأمة نحوهم، كمدافعين عن القيم والتعاليم الإسلامية.

أتساءل من أين جاءت تلك الوجوه التي باتت تسخر من التدين، ومظاهره المتنوعة، وتراه نوعا من الجمود، بل وتدعو إلى الاختلاط والتبرج، وتتحدث بنوع من الامتعاض عن الحلال والحرام؛ من أين جاءت تلك الوجوه التي تقول وتكتب وبصريح العبارة عن العلمانية كخيار أفضل للشعوب، وآخرون يتحدثون عن الليبرالية بكل فخر واعتزاز.

من أين جاء هؤلاء المتعصبون ضد الآخر أيا كان لونه وشكله، المندفعون الذي يرون أنهم متأخرون كثيراً فباتو ملكيون أكثر من الملك، يريدون أن يثبتوا للعالم ربما براءتهم من كل شيء ميزهم في مسيرتهم السابقة.

هل ما أراه حقيقة، وأنا أشاهد أسماءً تبدو لامعة، لا ترى في حياته أياً من مظاهر التدين والالتزام، هذا إن سلم من اللمز والسخرية بأولئك الرجعيين حسب رأيه؛ هل فعلا ما سمعته يوما في أحد المجالس حين ثار النقاش حول الإسلام وحاكميته وكونه الخيار الوحيد، حين انبرى غالبية من في المجلس بالضحك والسخرية، بل قال أحدهم وبالحرف الواحد "دينكم محرف" وهو في قمة الانفعال يشرح أهمية العلمانية كخيار وحيد وأمثل للشعوب؛ بل وصل الأمر عند البعض إلى إنكار السنة النبوية، ومهاجمة التراث الإسلامي الكبير.

وجوه قد يراها البعض مجرد أسماء لم تكن شيئاً قبل ثورة فبراير، بل ربما منجزها الوحيد في الحياة كونها جزءا منها، لذا جعلوا منها مقياساً للوطنية، والانتماء، والنزاهة، والحرية، حتى أصبح البعض يتحدث عن الثورات كنشاط مقدس، وتجربة لا بد أن تجوب العالم العربي، بغض النظر عن الفروق المجتمعية، أو ضررها ونفعها.

من أين جاء هؤلاء المتعصبون ضد الآخر أيا كان لونه وشكله، المندفعون الذي يرون أنهم متأخرون كثيراً فباتو ملكيون أكثر من الملك، يريدون أن يثبتوا للعالم ربما براءتهم من كل شيء ميزهم في مسيرتهم السابقة، وعلى كل الأصعدة، حتى وصل الحال عن البعض إلى السخرية من التيار المتدين داخل الجماعة ووصفهم بالقطبيين نسبة لسيد قطب رحمه الله؛ متناسين أنهم بذلك ربما يكونون خياراً للعالم بعد الف عام، ولكنهم لن يكونوا خياراً للشعوب إن تخلوا عن ما قالوا للناس أنهم تميزوا به عن غيرهم.

هل هؤلاء فعلا قادمون من حلقات القرآن، والمبيت، وزيارة المقابر، وصيام الأيام البيض، وحلقات كتب سيد، والإمام حسن؛ هل هم امتداد لأولئك الذي حجبوا نساء قريتي الصغيرة، وأتلفوا أشرطة الأغاني، واستبدلوا كثيراً منها بأشرطة القرآن، والأناشيد الهادفة.

كيف أصبحوا اليوم هم المتحدثين، والمتصدرين، والمنظرين، وأصحاب الصوت العالي، بينما غُيِّب أولئك أو غابوا لسبب أو لآخر، بينما يتصدر هؤلاء لقيادة الجيل الناشئ، الذي إن جعلهم مثله الأعلى، لن يسلم من التشوه والانفصام الفكري، بين أدبيات الجماعة وممارسة هؤلاء الأفراد.

ربما من يكتب مثلي من خارج الجماعة، تغيب عنه الكثير من التفسيرات لمثل هذا الظواهر،وحيثياتها، لكن فليكن هذا ضمن حرية إبداء الرأي، وطرح وجهات النظر.

وأخيراً: أدرك أن تلك الوجوه هي قليلة جدا مقارنة بحجم الجماعة، وهم فعلاً مجرد وجوه تخفي ورائها عقول وأجندات آخرين، لكن أثرهم سيكون أكبر من حجمهم بكثير، وخاصة في ظل الظروف الحالية، ومع طفرة وسائل التواصل، التي جعلت من الكثير منهم شيئاً وهو لا شيء في الحقيقة، وهنا يصبح محتماً على الجماعة أن تسأل نفسها فعلاً، من أين قدم هؤلاء؟ وهل قدومهم وبروزهم هذا بريء ومحض صدفة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.