نحو معالجة داخلية للصراع الطائفي

مدونات - الطائفية

توطئة ﻻ بد منها
جذوة الصراع تشتعل مجددا في أكثر من قطر عربي والألم يعتصر الأجساد والقلوب تقطر دما لما يجري ويحدث ..الغالب أصبح يخوض حروبا مقدسة ﻻ مجال فيها لحرمة الدم وعصمة النفس البشرية.. حروب تتسم بالوحشية والبشاعة لم تستثني أحدا.. إنها أبشع الحروب العصرية مجهولة المدى والهدف، كارثية النتائج. كشوفات الحصر توقفت.. ومنازل الأعداد مليئة بالأرقام المهولة للضحايا الذين تزداد أعدادهم يوما بعد آخر.. خطابات التحريض المسعورة تنطلق بشكل يومي من عناصر موتورة.. منابرها كأنها على الصراع مقصورة. لم يعد بمقدور أي طرف على التوقف لأن الشحنات الطائفية ولدت وتولد فيه طاقة ﻻ نهائية من الصراع.

في خضم هذا الصراع والعنف نقدم هذه المقاربة الفكرية لعلها تكون قطرة تطفئ جذوة الصراع المشحون بالعصبية والطائفية ولا يكاد يخلو من رائحة الكراهية، ولعلها تكون أول قطرة من غيث الأبحاث والدراسات التي سوف تتناول الموضوع وتقدم الحلول المناسبة له:

نوعية الصراع
إنه صراع تمتزج فيه رائحة الحطام برائحة الدم.. وتنبعث منه رائحة الكراهية النتنة الممزوجة برائحة البارود الخانقة.. ولتحديد نوعية هذا الصراع نجد أنه صراع داخلي بلا شك.. داخلي السبب والنتيجة وإن ظهرت لنا عوامل خارجية إلا أنها تابعة للعوامل الداخلية.. صراع يتدلى من أعماق التاريخ يلبس عباءة دينية ويتنكر أحيانا وتلتبس معه الأفكار فيجعل الحليم حيران.. إنه الصراع الطائفي ولا معنى لتنكره أو تخفيه هذا الداء المستفحل في جسد الأمة منذ زمن بعيد.

تتجلى الخطورة بشكل أكبر في كون هذا الصراع داخلي بين أبناء الأمة الواحدة مع استمرار وجود تغذية داخلية وخارجية له، إضافة إلى عدم وجود بوادر حلول فعلية تلوح في الأفق لإيقاف هذا الصراع وتأثيرات هذا الصراع.

صراع طائفي هكذا يجب أن نشير إليه صراحة دون تلكؤ ونبحث له عن علاج فعال يستأصله وليس فقط يحد من انتشاره. صراع طائفي وليس مذهبي، فكما هو معلوم بأن الطائفة فرقة دينية تعود جذور نشأتها الأولى إلى اختلاف سياسي حول أحقية إدارة شئون الدولة الاسلامية في مرحلة تاريخية ما وحتى يثبت كل طرف أحقيته في الحكم استند على قواعد دينية لتضفي على الاستحقاق الذي يراه صبغة القدسية، ولتمنع منازعته فيه. ومن هنا جاءت الطائفة المأخوذة لغويا من الطواف وهو الدوران كونها تدور حول فقه الحكم فقط.. فيما يعتبر المذهب اجتهاد فكري وفقهي واسع يشمل جوانب مختلفة من الحياة. بمعنى أن الطائفة تختزل المذهب وهذا الاختزال جاء من أجل تحقيق هدف سياسي هو الحكم الذي هو محل تنافس يقود حتما إلى صراع .
 

خطورة الصراع الطائفي وتأثيراته
لن تكمن خطورة الصراع الطائفي فيما يحصده من أرواح الأبرياء غالبيتهم من نساء وأطفال وشيوخ فحسب وإنما أيضا بما يمتلكه من قوة (ديناميكية) خفية تجعله مستمرا كالطاحونة لكنها تطحن الأرض والإنسان.. وتتجلى الخطورة بشكل أكبر في كون هذا الصراع داخلي بين أبناء الأمة الواحدة مع استمرار وجود تغذية داخلية وخارجية له، إضافة إلى عدم وجود بوادر حلول فعلية تلوح في الأفق لإيقاف هذا الصراع وتأثيرات هذا الصراع الذي يحمل الصبغة المدعية روح القداسة والطهارة للتدين والتاريخ على الحياة بشكل عام، فأوصدت باب الاجتهاد وقصرته على أئمة المذاهب وحتى صارت العبادات مجرد عادات متناقلة فاقدة للأثر إلا فيما ندر. وكونت ثقافة عامة ترتمي في أحضان الاستبداد دوما الذي لم يتوانى يوما في جعلها وقودا لصراعاته اللامتناهية تحت شعارات ظاهرها فيها الرحمة وباطن فيها العذاب..

ثقافة متوارثة لم يشعر الإنسان في إطارها بقيمته الإنسانية.. فلم يخرج عن كونه متلقيا ومستسلما أحداث وأهوال الزمان. ثقافة أنتجت إنسان تنصب اهتماماته بالمظهر دون الجوهر.. وبالشكل دون المضمون. إنسان غير قادر على التفاعل مع مشاكل عصره.. منتظرا فتوى مرجعته الدينية في أمره.. وغير قادر على نقد ذاته. أو تغيير واقعه وتحديد مساراته.. باختصار إنسان ﻻ فرق بين حياته ومماته.

الأسباب الداخلية للصراع:
الأسباب الداخلية هي الأسباب الرئيسية للصراع وما الأسباب الخارجية إلا تابعة لها. تتمحور هذه الأسباب الداخلية في جانبين هامين من حياة المجتمعات العربية والإسلامية لكن أثرهما ينعكس سلبا بشكل مباشر أو غير مباشر على بقية جوانب الحياة فيؤثران فيها أيما تأثير، لذا من الأهمية بمكان أن نشير إلى هذين الجانبين كما هما واقعين ﻻ سيما ونحن بصدد البحث عن علاج لهما .هذان الجانبان هما:

الجانب الأول: ديني تختلط فيه المفاهيم وتمتزج بأهواء البشر فيصير التدين دين أي تصبح الطائفة مذهب، والمذهب دين وﻻ فرق في هذا الجانب بين ما هو سماوي وما هو بشري فكلاهما على درجة من القداسة

الجانب الثاني: تاريخي وبتأثير قداسة الماضي المتناقلة عبر الأجيال والمشبعة بصور مشرقة لجزء من التاريخ والحضارة وفي إطار المحاكاة والتقليد الأعمى بغية الوصول إلى المجد المفقود وتجسيد صورته النمطية الراسخة في الوجدان على أرض الواقع.. صرنا -وبدون إدراك- ونحن في الزمن الحاضر نعيش أسوأ ما في الماضي من أحداث.

لابد لنا من الثقة بفاعلية الفكرة الإيجابية وأثرها على النفس البشرية ويجب أن تقود هذه الثقة إلى ضرورة تفاعل الفكرة في المجتمعات لتنتج أفكار يفترض إيجابيتها من الوهلة الأولى.

رؤية الحلول والمعالجات:
أوﻻ: النظر لأحداث وصراعات الحاضر بعين نافذة وعقل ناقد لسلوك الذات المتسم بالقابلية لإشعال المزيد من الصراعات سواء بالتعصب أو التعاطف مع هذا الطرف أو ذاك أو الصمت السلبي تجاه ما يجري.. حيث أن نقد الذات -وليس جلد الذات- النقد المنصف والعادل.. وليس المتعصب. نقد مبعثه الشعور بالمسئولية تجاه الأمة ﻻ الهروب من المسؤولية.. نقد ايجابي لواقع أكثر دموية وأكثر مأساوية.. نقدا يقود نحو حلم بمستقبل أكثر إشراقا ويحفز النظر إليه بدلا عن الماضي.. مستقبل يسوده السلام ﻻ الصراع.. ملؤه الأمل ﻻ الألم.. نظرة إلى المستقبل تعني الكثير والكثير وأهم ما تعنيه توقفها عن النظر إلى الماضي.. تعنى بذرة التغيير الأولى زرعت في النفس لترتوي من روح التفاؤل.

ثانيا: يجب أن يتبع النظرة فكرة تخطط لمستقبل أمة ليس شخص أو فئة أو جماعة.. فكرة تقدم مصلحة الأمة على مصالح الأشخاص، تقضي على صراع الطوائف و تبعد شبح الموت والدمار والخراب تبحث في ثناياه عن أسباب الحياة والتعايش، تهد عروش التطرف وتكشف زيف ادعاء الطوائف وتبين حقيقة المذاهب وطبيعة تنوعها بما يزيل قداسة الدين عنها في كونها نتاج فكر بشري.

ثالثا: الثقة بفاعلية الفكرة الإيجابية وأثرها على النفس البشرية ويجب أن تقود هذه الثقة إلى ضرورة تفاعل الفكرة في المجتمعات لتنتج أفكار يفترض إيجابيتها من الوهلة الأولى، لأنها في أسوأ الأحوال ستجعل الصراع مصحوبا بتفكير في المآلات وهو ما تكاد تخلو منه صراعات اليوم وحتما سيفضي التفكير في المآﻻت إلى إدراك حق الآخر في الوجود وحقه في الحياة، من ثم الدخول في نقاش وحوار يؤدي حتما إلى حلول ترضي الجميع.

رابعا: معامل اختبار الأفكار وفق المنهج التجريبي الإنساني الذي يجب أن يتحول إلى سلوك حياتي يومي ومن ثم إلى ثقافة عامة قابلة للتطور والتنوع بما يحقق الأهداف العامة للأمة، وإن اختلفت الوسائل والمسميات.. ويجب أن تعهد إدارة التجارب الناجحة بعد تحقيقها نسبة مقبولة من الأهداف إلى مؤسسات تعني بتوثيقها وتطويرها على أسس علمية عصرية حديثة.