شعار قسم مدونات

مفهوم النصر والهزيمة في القرآن الكريم

blogs - مصحف
إن مفهوم النصر في القرآن الكريم مختلف كليا عن مفهومنا له، فالمفهوم البشري يحصره في هزيمة الخصم، إما بالقضاء على إمكاناته البشرية والمادية، أو إجباره على الانسحاب من أرض كان يحتلها أو سعى لاحتلالها، لكن مفهوم القرآن الكريم غير ذلك تماما، لنأخذ على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ (غافر:51). إنه يتكفل سبحانه بنصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا والآخرة، وانتصارهم في الدنيا يعني وفق فهمنا، علو الرسل على أعدائهم، وذلك إما بانتقام الله من المشركين المعاندين، أو التقاء الفريقين، فتكون الغلبة للرسل والمؤمنين، بالقضاء على جيوش الباطل، لكن ما وقع غير ذلك، فنحن نعلم أن من الأنبياء من قتله قومه، مثل يحيي وزكريا عليهما السلام، ومنهم من هموا بقتله فنجاه الله من بين أيديهم، مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وعيسى ابن مريم عليه السلام، ومنهم من أخرج من بلده، مثل نبينا الكريم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي هاجر إلى الشام.
 
وهنا قد يتساءل أحدنا فيقول: أين النصرة للرسل التي ذكرها الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء أنبياؤه ورسله، وبعضهم من أولي العزم من الرسل، يصيبهم من أقوامهم القتل والإخراج من الأرض؟ أليس القتل والإبعاد هزيمة معنوية ومادية، فكيف يختارها الله لأنبيائه وأوليائه؟ والجواب من وجهين كما جاء عند الطبري في تفسير هذه الآية: أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا، إما بإعلاء الرسل على المكذبين، حتى يقهروهم، وإما بإهلاك من حاربهم وشاقهم، وإنجاء الرسل ممن كذّبهم وعاداهم، أو بالانتقام في الحياة الدنيا ممن كذب المرسلين وقتلهم.

أئمة الباطل لن يتوقفوا عن قتال أهل الحق، لن يسمحوا بانتشار الفضيلة، ليعم خيرها وفضلها العالمين، ولن يتنازلوا عن سيل عظيم من المصالح، فيتركوا الميدان للمتطهرين، المترفعين عن الملذات والمتع الزائلة.

والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدا، والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، كما بيَّنا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه.

وعلى هذا القول، فهي مكرمة من الله لهذه الأمة، وبشرى لأتباع النبي في كل مكان، بأنهم منصورون بحول الله، حتى وإن انتفش الشرك، وعم الظلم. ومن خلال ما ذكره الإمام الطبري في الوجه الأول، نجد ثلاث صور للنصر، وهي كالتالي: 
الأولى: ظهور الأنبياء والمرسلين على المكذبين من أقوامهم.
الثانية: نجاة الرسول وهلاك المكذبين، ومنه ما حدث مع قوم نوح لما كذبوا نبيهم.
الثالثة: قتل الرسول وربما بعض أتباعه، ثم يأتي انتقام الله من المجرمين المكذبين بأيدي أقوام آخرين.
قد يقول قائل: إن الصورة الأولى والثانية هي فعلا من وجوه النصر، لكن أين وجه النصر في الصورة الثالثة، نعم جاء الانتقام بيد أناس آخرين، لكن ذلك جاء بعد قتل النبي وأتباعه، فكيف يكون ذلك نصرا؟
 
إن قتل الرسول أو إخراجه من أرضه، لا يعد نصرا للمكذبين من قومه، ولا هزيمة للرسول وأتباعه، فهناك معيار آخر للنصر والهزيمة، غير المعيار البشري، إنه المعيار الإلهي، الذي يرتبط بموقف الرسول وأتباعه من الدين، الموقف من تبليغ أمانة الدعوة، والثبات على الدين، إنه يتعلق بظهور القوة الروحية على أدوات البطش المادية، وانتصار المبادئ على المصالح، وعلو عالم القيم على غابة النزاع والمكاسب.

وإذا كان قتل الرسل -وهم أكرم الخلق على الله- ليس خسرانا، فمن باب أولى ألا يكون قتل المؤمنين كذلك، لنأخذ على سبيل المثال أصحاب الأخدود، قتلوا بطريقة بشعة، حرقوا بالنار، ولم يبق منهم أحد، لقد قضي على منجزات المجتمع، تاريخه، وثقافته، وكيانه السياسي، فإذا اعتبرنا أن عدد الشهداء والجرحى، وتدمير البيوت والمساجد والمؤسسات، هزيمة، فحسب ذلك الفهم فإن أصحاب الأخدود، تعرضوا لأقسى هزيمة في التاريخ، لكن الواقع غير ذلك، فالله سبحانه وتعالى أثنى على إيمانهم، وعظم ثباتهم، وخلد ذكرهم.

إن معركة الحق والباطل مستمرة لن تتوقف، وانتصار الحق في هذه المعركة له صور متعددة، فليس القضاء على الباطل وتمزيقه، وعلو شأن الحق وارتفاع رايته، هي الصورة الوحيدة للنصر والتمكين، بل إن هناك صورا أخرى، والدليل نجده في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:217).

﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾: إنها تؤكد أن أئمة الباطل لن يتوقفوا عن قتال أهل الحق، لن يسمحوا بانتشار الفضيلة، ليعم خيرها وفضلها العالمين، ولن يتنازلوا عن سيل عظيم من المصالح، فيتركوا الميدان للمتطهرين، المترفعين عن الملذات والمتع الزائلة.

بناء على المفهوم القرآني، فإن الثبات على الدين نصر، وعلو الروح على المادة نصر، وانتشار الفكرة نصر، وتعرية الظالم نصر، وليس معنى هذا أبدا، القعود عن العمل لرفع الظلم، بل إن الإعداد واجب شرعي على أهل الملة.

أما ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فهي البرهان على أن معيار النصر والهزيمة ليس مرتبطا بتضحيات بشرية أو مادية، وإنما معيارها الموقف من الدين، فلا يمكن اعتبار ما يجري للمؤمن من قتل أو سجن إبعاد، ولا يقع من خسائر مادية مهما عظمت، خسارة ولا هزيمة، فالخسران المبين هو خسارة الدين، فإذا تزحزح المؤمنون عن الدين، ابتغاء دنيا، أو طمعا في مهادنة عدو، فقد خسروا الدنيا والآخرة معا، ووفق مفهوم المخالفة: إذا ثبتت هذه الفئة على دينها، فلم تغير ولم تبدل، سجل لها ذلك نصرا مبينا؛ لأن الذين كفروا أنفقوا أموالهم، ثم كانت عليهم حسرة، وسيغلبون عاجلا أو آجلا، وليست تلك هي النهاية، بل إلى جهنم سيحشرون.

إن الآية الكريمة لم تشر من قريب أو بعيد، إلى تمكين دين الله في الأرض، بمفهوم إقامة دولة أو سلطان للإسلام، وظهوره على الكفر والطغيان، فالمطلوب من المسلم أن يقيم شرع الله في نفسه أولا، فلا يخضع لظالم، ولا يركن إلى طاغوت، ثم يعمل لنصرة الإسلام، وإقامة الدين، ورفعة الكتاب والسنة، وتحكيم الشريعة.

إذاً وبناء على المفهوم القرآني، فإن الثبات على الدين نصر، وعلو الروح على المادة نصر، وانتشار الفكرة نصر، وتعرية الظالم نصر، وليس معنى هذا أبدا، القعود عن العمل لرفع الظلم، بل إن الإعداد واجب شرعي على أهل الملة؛ لتحرير الأوطان من الاحتلال وظلم الطواغيت، فإذا قاموا بذلك وواجهوا الباطل، فقد عملوا ما عليهم، وعاجلا أم آجلا سينعمون بالتمكين لدينهم.