ما بين نكبة الأمس واليوم

blogs النكبة

فلسطين، هناك عاش شعب سميّ على مر التاريخ ومسميات الجغرافيا بالشعب الفلسطيني، هناك في تلك الأرض الشاهدة على أفراحهم وأقرحاهم، عملوا بكد وجد فيها، زرعوا وغرسوا، قطفوا الزيتون المبعثر على التلال المحيطة بالقدس، حصدوا القمح والشعير بالجليل، وجنوا الموز والبرتقال والعنب في مزارع يافا وحيفا، جابوا بشباكهم وقوارب صيدهم الساحل الفلسطيني في غزّة، حاملين قوت يومهم وغذاء عيالهم، الصبايا يحملن المياه على رؤوسهن للشباب الذي يكابد العناء لبناء الخيم والمنازل الحجرية، كانت هذه هي فلسطين وشعبها قبل أن يأتي سرطان غريبُ ويزرع على أرضها، ويستبدل شعبها بشعب آخر .

الذي يخرج قبل النكبة في القدس من ذاته وأحاسيسه، من بيئته ومحيطه، يجد محيطا عربيا إسلاميا، دولة إسلامية، في المقابل يجد عددا من المضطهدين اليهود حول العالم، المنبوذين من كل المجتمعات الدولية، هؤلاء اليهود تجمعوا وقالوا إننا سنقوم بتأسيس دولة يهودية في فلسطين، اختيار فلسطين لم يكن عبثا، فقد اختاروا نبض الأنبياء، ونقطة ارتكاز داخل هذا المحيط العربي الإسلامي وهناك أوجدوا كيانهم.

لم تبدأ النكبة الفلسطينية قبل تسعة وستين عاما، النكبة بدأت سياسيّا قبل أكثر من قرنين من الزمن، عام 1799 استعصت أسوار عكا على الغازي نابليون، فأتجه فكره التوسعي ضد أطماع بريطانيا وجّه نداءا إلى يهود هذا العالم، مفاده "أيّها اليهود أنهضوا فهذه هي اللحظة السانحة والمناسبة، إنّ فرنسا تقدم لكم يد المساعدة حاملة إرث إسرائيل، سارعوا للمطالبة باسترجاع مكانتكم بين شعوب العالم ".
 

خاضت الجيوش العربية مجتمعة بكل من مصر الأردن، سوريا، لبنان، العراق، بالإضافة إلى الفدائيين الفلسطينيين والمتطوعين العرب حرب تحرير فلسطين، هذه الحرب التي فشلت إلى اليوم في استرجاع فلسطين وما بعد فلسطين

هزم نابليون وقتها ولم يبقى في الذاكرة في مدينة عكّا غير تمثال سمّي باسمه لكنّ نداء نابليون وفكرته في إنشاء كيان لليهود لم تمت، بعد أربعين عاما من وقتها أعادت بريطانيا عدوة نابليون الفكرة، ردّا على محاولة محمد علي توحيد مصر والشام وكان هذا ما أبرق بيه وزير الخارجية البريطاني بالمستن إلى سفيره في الدولة العثمانية "عليك بإقناع السلطان أن الوقت أصبح مناسبا لفتح باب فلسطين أمام هجرة اليهود ".

لم يكن عدد اليهود يزيد عن ثلاثة ألاف خلال تلك الحقبة، لكن تحركات بريطانيا ومساعيها الحثيثة لتسريع هجرة اليهود وجدت أذنا صاغية، إدوارد روتشلن البارون اليهودي يقرر التبرع ب14 مليون فرنك لإنشاء مستوطنة يهودية مازالت إلى اليوم، عرفت هذه المستوطنة رفع العلم الإسرائيلي الحالي بعد تدشينها في وقت كانت فيه فلسطين تحت الحكم العثماني، ليقرر البارون اليهودي مضاعفة المستوطنات الى أكثر من ثلاثين، هذه التطورات عجلت بخروج مصطلح الحركة الصهيونية التي سارعت وتيرة الهجرة وبدأت علانية في مشروعها إنشاء وطن قومي لليهود على الأراضي الفلسطينية.

قبل مغادرة بريطانيا من فلسطين، أطلع الانجليز اليهود على خطط انسحابهم، وهكذا علم اليهود زمان الانسحاب والأماكن الاستراتيجية التي عليهم احتلالها والسيطرة عليها، وعندما تصبح العصابات الصهيونية مستعدة وفي وضع مناسب لملّأ الفراغ والدفاع عن اليهود، وخوض أي معركة، تعلن بريطانيا انسحابها من فلسطين بعد احتلال استمر واحدا وثلاثين عاما. 
 

نتذكر النكبة الفلسطينية ونكبتنا من المحيط الى الخليج أعمق وأشد، بكى أجدادنا على ضياع فلسطين في وقت نبكي على ضياع دمشق وصنعاء والقاهرة والبقية بقريبة للضياع من أعيننا للبكاء

ويقرأ دافيد بن غوريون الذي كان قائدا في جيش البريطاني بيان قيام دولة الكيان الصهيوني ليصبح بذلك رئيس وزراء الكيان الصهيوني ورمز قوتها وهيبتها، في ذلك اليوم بكى المستعمرون والغزاة الصهاينة فرحا بتأسيس كيانهم، في وقت بكى العرب والمسلمون حزنا وندما على تفريطهم في فلسطين. 

خاضت الجيوش العربية مجتمعة بكل من مصر الأردن، سوريا، لبنان، العراق، بالإضافة إلى الفدائيين الفلسطينيين والمتطوعين العرب حرب تحرير فلسطين، هذه الحرب التي فشلت إلى اليوم في استرجاع فلسطين وما بعد فلسطين. 

حالنا اليوم وما أشبه من حال، نتذكر النكبة الفلسطينية ونكبتنا من المحيط الى الخليج أعمق وأشد، بكى أجدادنا على ضياع فلسطين في وقت نبكي على ضياع دمشق وصنعاء والقاهرة والبقية بقريبة للضياع من أعيننا للبكاء. فكّ الله أسر فلسطين وأسراها، وفكّ الله طلاسم التي غطت القدس وجعلته قضية وطنية بدل العقائدية، كل عام وأنا وأنتم أقرب إلى فلسطين منّا إلى فنادق الفيليبين.