شعار قسم مدونات

لا تدخلوا بيت أفلاطون

blogs - lecture
في مقدمة ابن خلدون: أن الفيلسوف اليوناني أفلاطون علق على باب بيته لافتة مكتوبا فيها: "من لم يكن مهندسا فلا يدخل بيتنا"، مدحا مصطفى لعلم الهندسة، وتقديرا حصريا للمهندسين، ومن بعد أفلاطون ظل خلق كثير يرددون عبارته بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال. حيث لا يزال المتفشي في عرف الناس إلى اليوم هو تفضيل العلوم التطبيقية على العلوم الأدبية، مع ما للآداب من صفاء للنفس، وارتواء للروح، وتقدير للفكر، واحترام للإنسان باعتباره إنسانا له خصائصه وقيمه المختلفة.
 
إن من الخطأ المفاضلة بين العلوم، سواء كانت تطبيقية أو إنسانية، والأشد خطأ التحيز للعلوم التطبيقية، واعتبار روادها هم الأكثر ذكاء، ويظهر هذا التمييز في وضع الجامعات لمعدلات قبول مرتفعة لدخول التخصصات التطبيقية، بينما يتم -في الغالب- قبول الطلاب بأدنى معدلات لدراسة التخصصات الإنسانية، مما يعود بالسلب على هذه التخصصات، ويعمق الفجوة بينها وبين التخصصات التطبيقية.

تحتاج المجتمعات العلوم الإنسانية بقدر حاجتها للتخصصات التطبيقية، فلا يمكن لمجتمع ما أن يشق طريقه نحو المستقبل دون دراية بماضيه.

قرأت لبعض خصوم التخصصات الإنسانية، الذين يطالبون بإغلاق هذه التخصصات في الجامعات، ووجدت علة الخصومة أنهم يعتبرونها "تخصصات البطالة" التي تخرج مجموعة من العاطلين. والعلوم لا تقاس بمدى تشغيليتها أو ما تدره من أموال، بل هي مطلوبة أساسا لذاتها. ولو نظرنا لسوق العمل في مجتمعنا العربي سنجد المهندس الذي يعمل في "كافتيريا"، وخريج الطب يعمل سائق أجرة.

إن الحاجة للعلوم الإنسانية هي حاجة إنسانية واجتماعية، فالمجتمعات تحتاج لها بقدر حاجتها للتخصصات التطبيقية، فلا يمكن لمجتمع ما أن يشق طريقه نحو المستقبل دون دراية بماضيه، وهو هنا يحتاج لرجال التاريخ. وحين يريد الترويج لثقافته، ونقل قضاياه إقليميا وعالميا، وتربية أفراده، وصناعة رأي عام مشترك، فهو يحتاج لرجال الإعلام وقادة الرأي.

ولا تخفى حاجة المجتمع -كذلك- للقائد الصالح، والدبلوماسي الفطن، ورجل السياسة الحاذق، وعالم الشريعة الناصح، الذي يبين للناس شرائع الخالق، ويوضح لهم المنهج الوسطي، خاصة ونحن في زمن التطرف، وجدير بالذكر أن الإحصائيات تشير إلى ارتفاع أعداد المنتمين للتنظيمات المتطرفة من خريجي الأقسام التطبيقية. لهذا فدور العلوم الإنسانية جلي في صناعة الإنسان المتناغم مع نفسه، الإنسان الكامل.

إن مجتمعنا العربي -ونحن أهل آداب وبيان وسياسة وقيادة- يحتاج لهذه الآداب ليعيد خلق معالم حضارته، والسر وراء تفوق الحضارات ليس فقط في الصناعة والزراعة والجيوش، بل في الإنسان؛ فالحضارة تقدم للإنسان وليس لوسائل الإنسان وأشياءه المادية فقط، وليس الإنسان مجرد آلة يقاس بمقدار ما يقدمه من إنتاج.

إن العلوم لا تقاس بمدى تشغيليتها أو ما تدره من أموال، بل هي مطلوبة أساسا لذاتها. ولو نظرنا لسوق العمل في مجتمعنا العربي سنجد المهندس الذي يعمل في "كافتيريا" وغيره!

لقد كان الرئيس الروسي الأسبق جورناتشوف يعبر عن هذا المفهوم فيقول: بإمكان صواريخنا الوصول إلى مذنب هالي، ولكن لسوء الحظ ليس هذا كل مافي الأمر، فالقيم الأيدلوجية والمعنوية في تدهور، والفساد يسري في الأخلاقيات العامة. ثم يقول: لا بد أن نسعى لتكوين شخص نشط اجتماعيا، وغني روحيا، وحي الضمير. والفيلسوف الشهير ول ديورانت يقول: نحن اليوم أغنياء في الآلات، فقراء في الأغراض.

إن العلوم الإنسانية تلبي احتياجات الإنسان، وهي علوم تحمل عوامل قوتها في ذاتها، فهي تبني الإنسان روحيا وفكريا، وتؤسس المجتمع ثقافيا وحضاريا، وفيها تندرج العلوم الشرعية، وعلوم الاقتصاد، والسياسة، والنفس.

ولو عدنا لبيت أفلاطون سنجد عددا من المشاهير الناجحين قد دخلوا بيت أفلاطون، ثم تركوا أفلاطون وبيته، دخله طارق السويدان وما وجد بغيته، فغادره ليصبح رائد التدريب في الوطن العربي. ودخله المهندس محمد المنجد، وما عرفه الناس إلا بعلمه الشرعي فأفاد خلقا كثيرا، والطبيب عبد الرحمن السميط عرفه الناس سيد الدعاة، وفارس الخير، وخادم فقراء إفريقيا ولم يعرفوه طبيبا، وأول عربي يحصل على جائزة نوبل لم يدخل بيت أفلاطون أساسا، فهل يجب أن ندخله؟