صناعة الزعيم في فكر الحركات الإسلامية

مدونات - الإسلاميون

إن الزعامة في الحركات الإسلامية هي نتاج نضال وتضحية في كثير من تنظيماتها، وهذا شيء إيجابي لا ينكره أحد، وصناعة الزعيم يعد من أهم الأدبيات التي ورثت مع تنظيم الإخوان المسلمون الذين أسسوا لكثير من الممارسات والتصورات من خلال تجربتهم التاريخية الممتدة.
 

ويبدو أن الحركات الإسلامية المعاصرة عاجزة عن الخروج من جلباب القادة الكلاسكيين الذين قعدوا للممارسات السياسية والأخلاقية والتنظيمية، هذا الإرث التاريخي والعاطفي والأخلاقي الذي قد يكون ابتدأ مع حركة الإصلاح الديني والنهضة العربية، ووجد له تنظيما مستوعبا مع الأستاذ حسن البنا ليستوعب التصورات ويفعل المفاهيم المبتوتة في الكتب والرسائل والممارسة في الجلسات، والتي تكفلت كذلك المقررات التنظيمية والخطب الوعظية على تمريرها للمنتظمين منهم.

يقف اليوم هذا الإرث حاجزا عن رؤية المستقبل، ويرمي بثقله على الحاضر، ويوقع هذه التنظيمات في مأزق الجذب العاطفي والروحي الذي يغرق المنخرطين في هذا العمل في كثير من الأوهام السياسية والاجتماعية والدينية، وقد تفطن البعض من القادة والمفكرين داخل هذه التنظيمات لهذه الفجوة في التفكير، فقاموا بمراجعات قيمة ونقد ذاتي صارم، في المغرب ومصر والكويت والسودان وتونس ولبنان. وقد اقتنع البعض منهم بأن التنظيمات الحركية قد ضاقت بأهلها كما ضاق صدر بعض زعمائها بانتقادات أولئك، ليكون الجزاء هو الفصل والطرد، لينخرط هؤلاء في مشاريع أخرى علمية ومراكز دراسات أو حتى في أحزاب سياسية تقدر على استيعاب تجاربهم وسعة أفقهم، ولا تمارس الوصاية الفكرية والروحية عليهم.
 

كما أن هذه الهيئات كان أساسها المدني غير المتسم بسمة دينية شكل مركز جاذبية للكثير من الذين قاموا بتلك المراجعات، لكونها لا تتدعي نهاية أنماط التدين عندها ولا واحديتها التي لا تقبل بالتعدد والحرية، ولا تقبل إطلاقية فلسفاتها في التغيير الاجتماعي والسياسي ولا حتمية مشروعها النظري.إن هذه السمات البارزة وما تختزنه من قيم إنما كانت من نعم الحداثة والفكر التنويري النقدي الذي أبدعه الإنسان.
 

الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية.

إن الذي حفزني لكتابة هذه المقالة يرجع أساسا إلى ما اطلعت عليه من كلمات مقالة الأستاذ عمر عبيدة حسنة حول مراجعاته الشخصية والعميقة لفكر تنظيم الإخوان المسلمون، والمعنون بـ: من إصابات العمل الإسلامي، والتي اختصرها في: العجز عن انتاج قيادات فكرية، انقلاب الوسائل إلى غايات، سيادة العقلية الذرائعية، فكر المواجهة، عدم تمثل المعاني المفقودة في الأمة، عدم تقدير قيمة التخصص، العجز عن استنبات قيادات متجددة.
 

وأجدني قبل أيام أعيش تجربة كتابة مقالة عن صناعة الزعيم ومطالعا لكثير من المقالات التي تبحث في سيكولوجية الجماهير والسلطة والزعماء، وأنا أنظر إلى تجربة الحركات الإسلامية المغربية، بعد أن تم تعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة المغربية وإعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران، وقبلها ما أصاب جماعة العدل والاحسان من انكماش بعد وفاة الزعيم الروحي والتاريخي الأستاذ عبد السلام ياسين، وما يقع لحركة من أجل الأمة وكذا البديل الحضاري وغيرها من الحركات السلفية من اضطراب بسبب إما الوفاة أو التعرض للاعتقال والمتابعة القضائية أو الحصار السياسي أو السقوط في حبال المؤامرة والابتزاز السياسي أو القبول بالتقرب إلى دوائر القرار السياسي والحزبي للاستفادة من الغنائم مقابل تقديم تنازلات معينة.
 

والملاحظ أن الصراع على قيادة أي حركة من الحركات الاجتماعية يرجع إلى مسألة القوانين الداخلية للتنظيم وطبيعة التنظيم ذاته، وكذا نفسيات القادة والمنتظمين من الأعضاء وعلاقاتهم الروحية والاجتماعية، ولا ننسى كاريزما من يكون في الواجهة، وقد يكون تدخل بعض دوائر القرار في ترتيب أوراق بعض التنظيمات والأحزاب مؤثرا وواردا في كثير من التنظيمات إما لنيل البركة والرضا والتزكية أو لتسهيل العمل وشرعنته.
 

وقد حدث في المغرب مؤخرا أن تقاذف بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية البارزين فيما بينهم الكثير من الكلام الذي يشعر بكون تنظيمهم السياسي يعيش حالة ارتباك بسبب الرجة التي أحدثها إعفاء الأمين العام الأستاذ بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة 2017م، ليتم تكليف عضو آخر في الحزب لتلك المهمة، فبعض الأعضاء اتهموا غيرهم من إخوانهم بالخيانة والخنوع ودافع الآخرون بكون التجربة تقتضي الانحناء للعواصف وتفادي حالة الاصطدام مع القصر وبعض دوائر صنع القرار السياسي المغربي المتهمة بإرادة التحكم وبالاصطفاف في جبهة الدولة العميقة.
 

هذا الحدث أفرز لنا وضعا جديدا لم يكن مخططا له، ولم يكن ليدركه الكثير من المناضلين في صفوف الحركات الإسلامية وهو إشكالية تفكيك رمزية الزعيم السياسي من طرف النظام السياسي التاريخي والقوي وإعادة تركيبها بشكل مستفز، ليهدم الصورة التي كونها الزعيم عن نفسه أو التي رسمها عنه مريدوه وليتم التعريض به بأنه شخصية غير محتملة، وبه نزق وطيش ويصعب التنبأ بردود أفعاله، وبكونه غير مرن ولا لبق ولا يرقى ليكون رجل دولة يحفظ لسانه ويكتم الأسرار ويرسم حدود علاقاته ومآلات سلوكاته، ويرسم حدودا لنفسه ويتحكم في ردود أفعاله السياسية والخطابية.
 

ونؤكد مرة أخرى على مثال التجربة المغربية، فقد تم اختيار بديل شخصيته تخالف صورة الزعيم بنكيران، ولا يعكس أي تفصيل منها، وفي كل الأحوال له مميزات قد تكون تقنع دوائر صنع القرار ولكنها لا ترقى لترضي المناضلين المتعطشين لشخصية زعيم منفلت لا يُتوقع سقف خطابه ولا يتحكم في ردود أفعاله، شخصية زعيم يخلق الفرجة مع كل ظهور له لتعلو نسب تتبع أخباره ومقابلاته وتزيد شعبيته على شعبية النظام نفسه ليكسب مساحة واسعة من النفوذ والهيبة، ويوثق علاقته السياسية بحميمية مع نفوس الجماهير. فينافس بل يزايد بشكل أو آخر على أقرانه من الساسة وغيرهم.

الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي بل هي تجربة تاريخية مباركة.

لا يتوقف الأمر على ما تحمله شخصية هذا الزعيم من قدرات إدارية أو كفاءة سياسية بقدر ما يكنه له المريدون من طاعة وثقة ورابطة عاطفية تجعله أنموذجا صعب الاستنساخ، وغيابه في لحظة عن المشهد الحزبي والسياسي يشكل صدمة، بحيث يتصور مع غيبته أن المؤسسة الحزبية ستنهار أو أن بقية القادة من حزبه والمنافسين له على كرسي الزعامة لن يقدروا على القيام بمهام المفاوضة وتدبير الشأن السياسي اليومي والتحكم في قرار الحزب، ولا حتى النجاة بالمؤسسة الحزبية من التحديات والمؤامرات التي تحاك ضدها.

فالكل يتلخص في الزعيم والزعيم هو الكل، فهذا الدفيء العلائقي يتوغل على مستوى الوجدان وفي المواقف السياسية والأخلاقية، ليرفض أي مقترح للزعامة ولا تقبل أي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للصورة الرمزية للزعيم الأوحد، ومن يدعي بديلا له أو مقترحا آخر عنه فهو متآمر وخائن وأفكاره هدامة. فيتوقف تجديد النخب وتحديث مواقع القرار وقادته ويعاد انتاج خطاب المظلومية والتبرير والوعظ، فتنمو المؤامرات بينهم وتوغل صدور بعضهم على البعض، وتكرر العثرات وتكثر القناعات المبنية على الأوهام بدل الحقائق والأفكار وتخفت النزعة النقدية والإبداعية بين الأعضاء وتظهر الآفات الأخلاقية والتنظيمية والأيديولوجية والصراع على المصالح الفردية وتحصيل الغنائم الآنية، مما ينبئ بالتصدع والترهل والانهيار.

إن الحركات الإسلامية حركة بشرية واجتهاد نسبي في حاجة دائمة للمراجعة والتقويم لكون النفوس الإنسانية فاعلة فيها والظروف التاريخية والاجتماعية، والمجتمع لا يجب أن ينظر إليها بكونها أنموذجا مثاليا لإقامة نمط الدين النهائي في الحياة والمجتمع بل هي تجربة تاريخية مباركة.