رحل حبيبي.. وما زلت أسمع صوته

blogs مفتاح العودة

اعتاد الحبيبان أن يلتقيا صباحاً، يسمعانِ صوت بعضهما البعض، يتفقانِ على موعدِ لقاءٍ يجمعهما للحديث بعيداً عن التطورات والالكترونيات، لكن حبيبي اعتاد أن نجلس دوماً دون موعد، حيثما أردت، واشتياقي للحديث معه، إن شعرت بالملل فالرغبة لي بالبقاء أو المغادرة، لكنه لم يكن يتأفف ولا يشعرني أنه ملَّ من حديثي رغم أنني أعيد عليه الأحاديث القديمة التي أحب سماعها في كل مرة.

جنوني بجانبه لم يجعله يصرخ في وجهي ولو مرة واحدة أو يحاول أن يوقفني عن حديثي لأهدأ، أو يحاول أن يعلمني الالتزام بوقت محدد؛ ليستمتع بوقته في شئونه التي يحبها أو يرغب بها، لكنني كنت أصّر على البقاء حتى أرأف به من حديثي، أو يأتي موعد الطعام؛ لكنني في بعض الأحيان اجعله برفقته من أجل أن نكمل باقي التفاصيل الصغيرة التي كنا نتحدث بها.

كثيرٌ من الأسئلة قد ينظر لها البعض أنها مليئة بالحرج لكنني كنت أمازحه وأسرد له "نكتة" تجعل أنيابه تظهر، لأنطق بسؤالي ويكمل ضحكاته ويضرب على يدي ويقول: "جننونك عليه أن ينتهي، فزماننا ليس كـزمانكم"، أتأفف من كلماته وأنتفض في ثورتي التي أظن أنني ورثتها عنه كما أخبرتني أمي.
 

وجدي يحكى لي عن فلسطين ركزّتُ يدي على خدي واستندت بجانبه وهو يُكمل وأنا أهز في رأسي وأتمتم له أنني عشقتها دون أن أرى مدنها عدا عن غزة التي ولدت فيها، كنت أشعر حينها أن عمري تسعة وستون عاماً من الوجع والشوق، كعمر بلادي التي تشيخ كل يوم

حبيبي لم يَدُم بجانبي طويلاً، ثلاثة وعشرون عاماً وأربعة أشهر فقط، لم تكن كافية لتخبرني عن حياته التي عاشها في ظل وطنٍ حرمتُ من العيش فيه؛ حُرمت من أن أمتع نظري بجماله الذي طرز انعكاسه وجه "جدي"، فعيناه الزرقاء انعكس فيهما جمال بحر وطني، وشعره الناعم كخيوط شمس صباحٍ غازلت ذهبية قبة أقصانا لتواسي حزناً يخترق خاصرتها كل يومٍ بذئاب غابٍ جاؤها أغرابا.

رحل حبيبي وترك في جهاز حاسوبي صوته الذي حفظته بهمساته وآهاته المكلومة، وهو يحدثني عن أرضنا التي سرقها الاحتلال الإسرائيلي ابان نكبة فلسطين عام 1948م، قائلاً" أرضنا موجودة شرق غزة في عجاج والنخابير؛ وبإذن ربنا راجعين"، كان يحدثني عن جمال أيامه وسعادته الغامرة وهو يتجول في الخليل التي تبعد عن مكان حديثنا نصف ساعة، ويحيّلُ بيننا سلكٌ شائك وضعه محتلٌ غاصب سرق أرضنا، كان يخبرني عن أرض فلسطين وكيف سرقها الاحتلال، ليصور لي المشهد وكأنني أعيشه هذه اللحظة من تشريد وقتل ودماء وهجرة.

ركزّتُ يدي على خدي واستندت بجانبه وهو يُكمل وأنا أهز في رأسي وأتمتم له أنني عشقتها دون أن أرى مدنها عدا عن غزة التي ولدت فيها، كنت أشعر حينها أن عمري تسعة وستون عاماً من الوجع والشوق، كعمر بلادي التي تشيخ كل يوم، وهي تتألم بألم أبناءها وشوقهم لها، تنزف مع كل دمعة نزفها جدي وهو يحدثني عن القدس، يخبرني عن صلاته في أقصانا، عن باب العامود، عن كعك القدس المعجون بمائها المقدس، عن زعترها، عن نسمات الهواء التي تلفح الوجوه لتشفي كل عليل.
 

أعمار اللحظات الجميلة قصيرة، قصيرة جدًا، كما كنت في أرضنا وطردوك المحتلين منها، ما زال صوتك الوصية، ومفتاح عودة بيدي ينتظر أن يفتح الباب المشتاق هناك

ما زلت أذكر حديث جدي لي عن برتقال يافا الذي عجز عن وصف جماله بكل الكلمات، حاولت أن ألملم جرحي الذي يزداد مع كل حرفٍ يتحدث عن بلادنا فلسطين، لأحضر برتقالة وأسأله بكل براءة هل تشبه برتقال يافا ورائحته؟ ابتسم قائلاً: "إسراء يا سيدي برتقال يافا لا يقارن بأي برتقال، ورائحته مميزة لن تتعطري بها سوى في يافا"، أردف حديثه ضاحكاً ستك الله يرحمها كانت تحبه.

آه يا حبيب القلب، ما ورثته منك هو الوطن بأكمله، ورثت منك حب فلسطين وأرضها، تعلمت منك رغم ضعفي أن أكون قوية ولا أعجز، كنت تقول لي:" يلي اخدوه بالقوة ما برجع إلا بالقوة" طردونا من البلاد وتآمروا علينا ببعض الجيوش الهزيلة، لكن الحمد لله صنعنا بأيدينا أبطالاً جعلونا في كل يوم نعيش فيه من جديد نقترب من النصر، نقترب من لحظة العزة والكرامة، نقترب من فلسطين المحررة".

حاولت أنْ أتشبّث بوجودك يا حبيب القلب وصاحب الضحكات ورفيق الوطن، لكنني لم أستطع؛ فأعمار اللحظات الجميلة قصيرة، قصيرة جدًا، كما كنت في أرضنا وطردوك المحتلين منها، ما زال صوتك الوصية، ومفتاح عودة بيدي ينتظر أن يفتح الباب المشتاق هناك.