استهلاك المشاعر

blogs حزن

كنت أملك صديقًا يكبرني ببضعة أعوام؛ مرهفَ الحس، فياضَ العواطف، يسيل قلمه بالشِّعر كأنه يملك قلب مراهق ملتهب المشاعر، وعلى الرغم من كل ذلك؛ فإنه كان -في ظاهره- باردَ العاطفة، يحرص على إخفاء مشاعره، يواظب على بناء حدود في علاقاته، منطويًا على نفسه، في بيته أغلب الوقت، يغير رقم هاتفه من وقت لآخر بهدف التكريس لعزلته!

 

كنت أتعجب في بادئ الأمر من تصرفاته، وأتساءل: لماذا شخص ودود مثله -يملك تلك العاطفة الجميلة والمشاعر الفياضة- لا ينفتح على الناس ولا يعمق علاقاته معهم؟! ولماذا يفضل دخول كهف العزلة بشكل مستمر والانقطاع بشكل يستجلب الكآبة؟!

 

ومع مرور الوقت، ومروري بتجارب حياتية متعددة، وصدمات نفسية متعاقبة على المستوى الشخصي والوظيفي؛ بدأتُ أتذكر صديقي هذا الذي لم أكن أجد مبررًا لتصرفاته العجيبة، وبدأت تظهر عليَّ بدايات السلوكات العجيبة التي كانت تظهر عليه؛ وهنا بدأتُ ألتمس لصديقي الأعذار فيما كان يفعله!

 

دعنا نجتهد ونطلق على ما حدث مع صديقي ما يسمى بـ(استهلاك المشاعر)؛ فالمشاعر على الرغم من كونها شيئًا معنويًّا؛ فإنها تتمتع بخاصية مادية؛ وهي تأثرها بالإهلاك مع مرور الوقت -لا سيما مع الأشخاص العاطفيين-، فمع تعدد الصدمات في حياة الإنسان الناتجة عن علاقاته الشخصية أو الأحداث المحيطة به؛ تصبح مشاعره مستهلكةً، ويبدأ بممارسات انطوائية غريبة؛ في محاولة منه الحفاظ على ما تبقى من رصيد مشاعره.

 

الخطورة في استهلاك المشاعر لا تكمن وحدها في تلك التصرفات الانطوائية أو الاحترازية الغريبة التي قد يتخذها البعض، بل تكمن -أيضًا- في الاستمرار في خوض التجارب الحياتية بعد التجارب الأولى التي تلقّى فيها الصدمات؛ فإنه يكمل بمشاعر باردة

في علم الأحياء؛ يوجد مصطلح اسمه (التكيُّف)؛ وهو تعديل سلوك الكائن الحي بحسب التغيُّر الذي يطرأ على البيئة التي يعيش فيها؛ ومثال ذلك: (تغيير الإنسان ملابسه مع تغيُّر فصول السنة)؛ فإن الإنسان يستمر بالتكيُّف مع البيئة المحيطة به من الجانب البيولوجي. وكما أن الإنسان يتكيف مع البيئة المحيطة به بيولوجيًّا؛ فإنه -أيضًا- يتكيف نفسيًّا (سيكولوجيًّا) مع الظروف الجديدة التي تطرأ على حياته؛ فتجده يختار العزلة، أو الانفتاح المطلق، أو الانفتاح المحدود، وهذا التكيُّف النفسي نابع من عدة مبررات؛

أولها: محاولة المحافظة على ما تبقى بداخله من مشاعر.

وثانيها: خشية الوصول إلى حد التبلد التام الذي لا يستطيع السير في الحياة بدونه.

وثالثها: خشية تكرار الصدمات النفسية الناتجة عن تجاربه السابقة؛ فيصاب بوعكة صحية لا يفيق منها أبدًا.

ورابعها: إدراك الشخص أن العلاقات الشخصية المثالية أو أهدافه التي يتمناها؛ هي عملات صعبة للغاية؛ فلا داعي للدخول في إحباطات جديدة.

 

الخطورة في استهلاك المشاعر لا تكمن وحدها في تلك التصرفات الانطوائية أو الاحترازية الغريبة التي قد يتخذها البعض، بل تكمن -أيضًا- في الاستمرار في خوض التجارب الحياتية بعد التجارب الأولى التي تلقّى فيها الصدمات؛ فإنه يكمل بمشاعر باردة ليست قادرة على العطاء كما كانت من قبل، وهذا يؤكده قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:

 

وَاحْرَصْ على حِفْظِ القُلُوْبِ مِنَ الأَذَى … فرجوعها بعد التنافر يَصْعُبُ

إِنّ القُلوبَ إذا تنافر وُدُّها … مِثْلُ الزُجَاجَةِ كسْرُها لا يُشْعَبُ

 

ويتضح هذا الأمر جليًّا في ثلاثة أصْعِدة:

الأول: الصعيد (العاطفي) أو صعيد (الحب): تظل العلاقة الأولى هي العلاقة المسيطرة على الشخص بذكرياتها وتفاصيلها، حتى لو تكرر دخوله بتجارب أخرى؛ فستظل تجربته الأولى هي العالقة في الذهن؛ لما كان لها من هدر كبير لرصيد المشاعر لا يستطيع نسيانه؛ فالتجربة أخذت خير جذوة القلب المشتعلة، وما بعدها أتى ليحرق ما حُرق، فالتجارب الأولى -غالبًا- يحدث فيها نسبة كبيرة من الإهلاك المشاعري؛ ومن ثَمَّ؛ يصعب على الإنسان الدخول في تجارب جديدة بنفس الحرارة التي كانت من قبل!

 

يربط الداعية أتباعه بالنصر والتمكين، وأن العمل لدين الله -عز وجل- من اللازم أن يعقبه النصر والتمكين لعباده، ولا يوضح الداعية أن النصر والتمكين ليس من اللازم أن يأتي في حياة الشخص العامل، وأن كل ما على الشخص هو السعي

إدراكك لتلك الحقائق مبكرًا؛ يجعلك تحترز بعد فتح قلبك لكل طارق يطرق، وإنزال كل شخص منزله، وعدم رفع سقف توقعاتك في الأشخاص، وعدم قطع مسافة تجاه شخص إلا ويكون هو قد قطع نفس المسافة تجاهك، فحاول -قدر إمكانك- المحافظة على مشاعرك وعدم إهلاكها إلا مع من يستحق!

 

الثاني: الصعيد السياسي: ومثال الأحداث السياسية المصرية خير دليل على ذلك؛ ابتداءً بانطلاق الثورة ونزول الشعب للشوارع، ومرورًا بشحن العواطف بشكل كبير، وبناء أحلام كبيرة جدًّا -وقد تحقق جزءٌ منها بالفعل-، وانتهاءً بما حدث بعد استنزاف عاطفي شديد، والمشهد المأساوي بعد انقلاب يوليو الدموي، وفَقْد الأعزاء في مذبحة رابعة، ونزول الخوَنة للاحتفال والرقص على أشلاء الجثث! كل هذا أصاب الكثير بصدمة عاطفية قوية أهلكت جزءًا كبيرًا من مشاعرهم؛ نتج عنها اعتزال عدد كبير جدًّا من الشباب الكلام في الأحداث، ليس خوفًا ولا جبنًا، ولكن محاولة منهم التكيُّف مع المعطيات الجديدة، ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من مشاعر بداخلهم.

 

الثالث: الصعيد الدعوي: حيث يربط الداعية أتباعه بالنصر والتمكين، وأن العمل لدين الله -عز وجل- من اللازم أن يعقبه النصر والتمكين لعباده، ولا يوضح الداعية أن النصر والتمكين ليس من اللازم أن يأتي في حياة الشخص العامل، وأن كل ما على الشخص هو السعي ووضع اللبنة في البناء، ويأتي النصر وقتما شاء رب العالمين؛ فيتهيأ الشاب لذلك ويربط ذهنه بحلم النصر والتمكين، حتى في خياله تجده يقسم وزارات ومناصب دولة ما بعد التمكين من شدة شحن عواطفه بذلك الأمر، وبعد فترة من العمل -لا سيما إذا ازداد الوضع سوءًا لأهل الإسلام وكثرت ابتلاءاتهم- تجد الكثير من الشباب الذين تربوا على هذه المعاني؛ قد نكصوا على أعقابهم وخارت عزيمتهم؛ نتيجةً لإحباطهم ومحاولة منهم التكيُّف مع صدمة الحلم الذي تبخر.

 

وقد صدق الصادق المصدوق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: ((أَحْبِبْ حبيبَك هَوْنًا ما؛ عسى أن يكون بغيضَك يَوْمًا ما، وأبغِضْ بغيضَك هَوْنًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما))، وبهذا التوجيه النبوي البديع؛ تدرك مدى بَهْظ الضريبة التي يدفعها الإنسان عندما يهلك مشاعره في علاقاته الشخصية، وتدرك -أيضًا- أهمية ترويض النفس على إحكام المشاعر والسيطرة عليها؛ كي لا تنفلت منه في الأحداث والعلاقات.