شعار قسم مدونات

الواقع المهلهل بعد الانتخابات المحلية الفلسطينية

blogs الانتخابات الفلسطينية

انتهت عملية الاقتراع في الانتخابات المحلية لعام 2017 في الضفة الغربية، في ظل عدد من الملاحظات والظواهر المختلفة، على رأسها ضعف المشاركة إقبالًا وترشحًا، في صورة لا زالت تعكس طبيعة النظام الحاكم، والحالة السياسية القائمة. يُذكر أن نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية في الضفة الغربية في 2005 كانت 82.5 بالمائة، فيما انخفضت عام 2012 إلى 54 بالمائة في ظل مقاطعة حركتي حماس والجهاد، أما عام 2017 فقد وصلت 53 بالمائة أيضًا في ظل مقاطعة الجهاد، ومقاطعة حماس عن الترشح مع الدعوة للمشاركة في اختيار الأصلح.

وبالنظر إلى طبيعة نتائج انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات في الضفة الغربية والتي تمثل رأي الشباب كفئة تعتبر الأكثر تعليمًا ونشاطًا وفاعلية مما ينعكس على الوعي العام؛ فإن نسبة المشاركة لم تجاوز 55 بالمائة باستثناء بيرزيت وصلت 74 بالمائة، فهل كان يُتوقع أن تكون نسبة المشاركة المجتمعية العامة أعلى منها في الجامعات؟ بطبيعة الحال وإن كان لا يمكن الجزم بذلك، منطقيًا لا يمكن.

ويمكن أن نقرأ ضعف المشاركة الانتخابية بشكل عام في ضوء هذه الأسباب:
أولًا: حالة إحباط سياسي عامة، على مستوى كوادر التنظيمات، وضعف ثقة المجتمع بها، خاصة ونحن نتحدث عن انسداد الأفق وكثرة الأزمات.

ثانيًا: حالة إحباط من التغيير بحكم تراكم تجارب سلبية سابقة على مستوى البلديات تحديدًا، حتى تلك التي انتُخبت بنسب عالية فقد تحملت أعباء ديون إضافة إلى ضعف الكفاءة في حل المشكلات الخدمية.

من أحد أسباب ضعف المشاركة: ضعف الوعي الانتخابي والمواطنة وعدم العمل على رفعها، فعمل لجنة الانتخابات المركزية يعتمد على أن تصل الناس لمنشوراتهم وموادهم، دون استهداف البيوت والأحياء

ثالثًا: عدم وجود منافسة حقيقية بغياب المنافس وتحديدًا حماس، وهذا ترك الباب مفتوحًا لكم هائل من المشاكل داخل حركة حماس وفي المجتمع الفلسطيني، وتسببت بكشف غطاء عن الكثير من عيوب المجتمع أبرزها العودة لحضن العشيرة بعد الاستظلال بالأفكار.

رابعًا: غياب روح التجديد والتطوير على مستوى المرشحين والبرامج.

خامسًا: فساد السلطة والتغول الأمني، وهذا ترك انطباعًا حفيًا لدى الناس وخاصة مع مسائل الاحتكاك بالأجهزة الأمنية، سواء فيما جرى في قلنديا ونابلس وجنين، أو من خلال استهداف الشباب في المواجهات أو ملاحقة المقاومين سواء ظهر هذا أو اختفى بين قناعات الناس غير المُعبَّر عنها، فلم يخدم حركة فتح الاستعراض العسكري للأجهزة الأمنية في الخليل قبل يوم من الانتخابات.

سادسًا: ضعف الوعي الانتخابي والمواطنة وعدم العمل على رفعها، فعمل لجنة الانتخابات المركزية يعتمد على أن تصل الناس لمنشوراتهم وموادهم، دون استهداف البيوت والأحياء.

سابعًا: ضعف الدعاية الانتخابية والبرامج الانتخابية عامة، فهي لم تقدم ما يغري الناس للقبول بهم، خاصة مع فقد الثقة سواء بالتجربة الأقرب 2012، أو عدم الرضى عن المرشحين.

فيما أظهرت هذه الانتخابات عددًا من الملاحظات المهمة؛ منها: 
أولًا: غياب الشباب عن العمل في العملية الانتخابية من حيث: صناعة الوعي الانتخابي، القوائم فيما عدا قائمة شبابية في نابلس، وهذا يضع علامة تساؤل حول تلك النشاطات الثقافية والمبادرات التي لم يوازيها أو يخرج منها شيء خدمي ومجتمعي ينخرط أكثر في عملية الوعي والتغيير، ومن جهة أخرى يُظهر حجم تقييد الشباب لأنفسهم وخاصة من يمتلكون الوعي والكفاءة المهنية؛ فمنهم من ارتبط بالتنظيم ولم يتقدم، ومنهم مَن تردد في المبادرة، وآخرين لم يفكروا بذلك واكتفوا بالمتابعة سواء سلبية بالمقاطعة أو النقد أو إيجابية بالمشاركة واختيار أفضل الموجود.

ثانيًا: العودة إلى حضن العشائر، وهذه لا تعكس فقط روح القبيلة المستترة في النفوس؛ بل تعكس حجم التفسخ الموجود على مستوى التنظيمات داخليًا وفتح مثال على ذلك، وغياب حركة حماس من جهة أخرى، وغياب التنظيمات تحل مكانه الفوضى، والبحث عن سقف يجمعهم والأقرب للوعي سقف العشيرة، وهذا السقف كشف عن تمزق أبنائه فكان للعائلة أكثر من قائمة كبعض المواقع، وبالتالي دعوة الناس للاصطفاف على أساس القبيلة، فماذا قدمت التنظيمات اليوم للمجتمع إن كانت تعاني ترهلًا وخمولًا وضعفًا؟ وماذا يُنتظر من نداء القبيلة؟ 

حركة حماس تعاني ضعفًا تنظيميًا جعلها تهرب إلى الموقف العام والعائم معًا، فمن جهة تقاطع الترشح إلى حد ما، وتدعو للمشاركة في التصويت، وتترك حرية لكل موقع بأن يوجه كتلته التصويتية لمن يراه مناسبًا

ثالثًا: غياب الثقافة التنظيمية، وأمثل هنا لحركتي فتح وحماس، فأما حركة فتح فحاولت في البداية أن تحزم مع عناصرها وتهدد وتتوعد كي تحصر قوائمها في قائمة، ولكن في نفس الوقت معنية بمن يمكنه الوصول ولو من خلال قوائم معارِضة تنافسها وفي أصولها فتح، وفي مجمل قوائمها حرصت على 3 عناصر: التنظيم، العشيرة، المهنية إلى حد ما، وبالتالي تراوحت مستويات قوائمها، لكنها في النهاية تخدمها، وفي الوقت ذاته يُظهر هذا عقلية الإقصاء في التنظيم، والذي سابقًا حاول الحصول على أصوات المقاطعين من حماس، فيما في هذا العام لم ينجح فتُركوا وحدهم، وهذه في مجملها مؤشرات غير جيدة للتنظيم مهما بدت النتائج جيدة في ظل نسب تصويت هي الأخفض منذ أول انتخابات محلية 2004-2005.

أما حركة حماس فتعاني ضعفًا تنظيميًا جعلها تهرب إلى الموقف العام والعائم معًا، فمن جهة تقاطع الترشح إلى حد ما، وتدعو للمشاركة في التصويت، وتترك حرية لكل موقع بأن يوجه كتلته التصويتية لمن يراه مناسبًا، وإن كان هذا يخفي غياب التنظيم وفاعليته، فإنه ينطوي على جملة من المشاكل؛ منها:

غياب تام للثقافة التنظيمية وتقطع في المرجعيات، وفجوة بين أجيال تجعلهم لا يعتدون بموقف كبير ولا ذي خبرة، وفي مناطق أخرى تعدد مرجعيات تتقاطع فيه الخطوط الفاعلة الرسمية وغير الفاعلة ذات أقدمية، أما الأسوأ فلجوء أبنائها للتعصب العشائري، وهذا يتقاطع مع سلوك أبناء حركة فتح، ويُظهر مدى انعكاس الثقافة المجتمعية على جميع أفراده دون امتياز لأبناء فصيل على آخر، في الوجه الآخر فإنه لا زالت تملك حماس القدرة على التجييش والتوجيه وهذا يظهر من خلال التعاطي مع دعوتها الأولى، ثم مع المقاطعة والتي لم يلغها بيان الدعوة للتصويت. 

رابعًا: ضعف الدعاية والبرامج الانتخابية، على مستوى الأفكار، ثم على مستوى شكل الدعاية التي استخدمت النمط القديم مع استخدام محدود للوسائل الحديثة من حيث برنامج الدعاية، التصاميم والعناصر المُركز عليها، العبارات المستخدمة، وأخطاء اللغة، وطريقة التعاطي مع الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل، كما همشت الدعاية الانتخابية أحجام الفئات العمرية في المناطق والتي كانت يجب أن تراعى في الاستهداف سواء في الفريق العامل مع كل قائمة أو في بناء الدعاية الانتخابية أو في الخطاب. إلى جانب محاولات التأثير على أصوات الناخبين من خلال بعض الممارسات؛ كادعاء الاعتداء، أو التهديد، أو شراء الأصوات، أو حتى الوعود الكاذبة.

انتهت العملية الانتخابية لكن مشاكل المجتمع وما خلّفته الانتخابات يحتاج حلولًا وعملًا جادًا حتى لا تنقضي السنوات الأربعة المقبلة دون تغيير حقيقي

خامسًا: أسماء القوائم، حمل بعضها شقًا سياسيًا لا ينعكس على مؤسسة خدمية مدنية كالتحرر والبناء، وكثير من الأسماء دارت حول أبناء البلد، شهداء كذا، المستقبل، الوحدة، وما شذ عن ذلك كان حول التطوير، فهل عجز المرشحون عن تقديم أسماء أخرى؟ وهل ستبقى فتح تتغنى بالنضال القديم حنينًا وإفلاسًا؟

انتهت العملية الانتخابية لكن مشاكل المجتمع وما خلّفته الانتخابات يحتاج حلولًا وعملًا جادًا حتى لا تنقضي السنوات الأربعة المقبلة دون تغيير حقيقي يتجاوز ما ذُكر أعلاه، كما يحتاج من حركة حماس والتنظيمات إعادة ترتيب شؤونهم وتحديد مواقفهم؛ فالنضج لا يأتي إلا بالممارسة، حتى فتح التي لا تقاطع الانتخابات تحتاج إلا أن تصبح أكثر تعلمًا من كل التجارب التي تمر بها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.