الصلاة.. أركان القيادة والتنظيم

صلاة
اتجهت إلى أولادي كي أعلّمهم الصلاة، فاصطفوا خلفي، وأخبرتهم أن يفعلوا مثل فعلي وأثناء ذلك اكتشفت الكثير من الأخطاء، إذ أن أحدهم يسبقني في ركوعه وسجوده، والآخر إذا قلت "سمع الله لمن حمده" أعاد نفس العبارة، ويرفعون أصواتهم بالتكبير في كل ركعةٍ وسجدة.
 
بدأتُ أتأمل في شأنِ الصلاة، لأننا ربما نسينا كيف تعلمناها مع الزمن، وبدأتُ أنظر كيف هي عبارةٌ عن تنظيم وفق تبعية للإمام منضبطة وليس تبعية مطلقة، وسوف نفصّلها هنا بما أطلقتُ عليه أركان القيادة والتنظيم، مستخلصةٌ من هذه الشعيرة الإسلامية بعيداً عن النظريات الشرقية والغربية:

– الركن الأول: المعرفةُ والعلمُ بالشيء 

أركانُ القيادةِ في الصلاةِ تتلخصُ في المعرفةِ والتنظيمِ والتبعيةِ المنضبطةِ وتحديدِ الأهداف ولو تأملّنا وتفكّرنا في ديننا الإسلامي لأخرجنا نظرياً أروع القواعد والضوابط.

المعرفة تجنبك الكثيرَ من الأخطاء، وعلى الرغم من سهولة الأمر من وجهة نظر البعض، إلا أن أداء الصلاةِ بشروطِها وأركانِها وواجباتِها وسننِها لا يعقله كثيرٌ من الناس، وخصوصاً في بعض الحالات التفصيلية التي يتم القيام بها في مواقف محددة، كالجمع والقصر في صلاة المسافر، ومن فاته شيئٌ من الصلاة فلحق بالجماعة أو لم يلحق بهم وصلّى منفرداً وحاله إذا جاءت جماعةٌ أخرى فصلت، وغير ذلك من المعارف التفصيلية التي كلما أدركها المسلم كلما كانت صلاته أتم وأكمل، وهو الشيء الذي يميّز السبّاقون عن غيرهم

– الركن الثاني: التنظيمُ الفرديُّ وسيلةٌ إلى التنظيمِ الجماعي
إذا ما أقام المؤذنُ الصلاةَ وفي غضونِ ثوانٍ معدودة يصطف المصلون منتظمون، ولا يبالي كلُ واحدٍ منهم بالآخرين، إذ أن مهمته تقتصر على أن يقف في المكان الصحيح وبالوضعية المناسبة، وفق المعلومات التي تحصّل عليها مسبقاً في الركن الأول، وقيام كل فرد بمهامه وفق المتفق عليه مسبقاً يؤدي إلى اصطفاف منظم ومرتب وبأقل جهد وفي فترة وجيزة من قبل الجميع.

– الركن الثالث: التبعيةُ المنضبطةُ 
جُعل الإمام ليؤتم به، فلا يجوز مسابقته والتقدم عليه، ومع هذا الانضباط المطلوب في متابعة القائد -الإمام- بمجرد الدخول في الصلاة، إلا أن تلك التبعية منضبطةٌ بضابطِ السلامة فيما يقوم به الإمام، وإذا خالف ذلك بأن زاد في الركعات أو نسي بعض الواجبات يجب تنبيهه في الحال، وفي ذلك تعليمٌ وتدريبٌ واضحٌ على أهمية مراجعة القائد إذا أخطأ وتنبيهه على خطئه، وأن يكون الفرد المسلم متيقظاً حتى وإن كان خلف الإمام الذي يُفترض أن يكون من خيارِهم وأفاضلِهم.

– الركن الرابع: العملُ على هدفٍ واحدٍ لتحقيقه
الصلواتُ محددةٌ بوقتٍ وبعدد ركعات، فصلاة الظهر في وقت الظهر، وصلاة العصر في وقت العصر، إذا اجتمع المصلون في الجامع أو المسجد لأدائها، استطاعوا إنجازها ضمن إطار زمني معروف، إذ أنه يصعب إنجاز الصلاة إذا كانت موضوعة بدون محددات وأزمنة، وجاء الناس إلى المسجد غير مدركين لما يجب عليهم من صلاة لأدائها، فربما يقولُ أحدُهم نصلي الظهر، وآخر رد عليه ولماذا لا نصلي العصر، بينما علّق الثالثُ بأن الفجرَ أولى، ولكن ولأن الهدفَ واضحٌ ومحددٌ وبإطار زمني فلا يحدث ذلك، فكلُ فردٍ يأتي وهو يعلمُ تماماً ما يجبُ عليه القيام به. 

إذا أقام المؤذنُ الصلاةَ وفي غضونِ ثوانٍ معدودة يصطف المصلون منتظمون، ولا يبالي كلُ واحدٍ منهم بالآخرين، إذ أن مهمته تقتصر على أن يقف في المكان الصحيح وبالوضعية المناسبة.

إذاً أركانُ القيادةِ في الصلاةِ تتلخصُ في المعرفةِ والتنظيمِ والتبعيةِ المنضبطةِ وتحديدِ الأهداف ولو تأملّنا وتفكّرنا في ديننا الإسلامي لأخرجنا نظرياً أروع القواعد والضوابط، ولأنجزنا عملياً مشاريعَ نسابق بها الأمم من حولنا.

ولكننا جعلنا من العبادات عادات، ومن القرآن آيات يتم حفظها وترديدها -ومشاريع تحفيظ القرآن في كل حارة- ولكننا لم نجد حلقاً لفهم القرآن وتطبيق آياته والتخلق بأخلاقه إلا عند المتخصصين من طلبةِ العلم، مع أن القرآن أُنزل منهجاً للجميعِ ومطلوب فهمه وتطبيقه من قبل الكل، وليس تحويله إلى كتاب لا يفهمه إلا ثلةٌ من الناس.