الاستمرارية

Britain Athletics - London Marathon - London - 23/4/17 A runner collapses just before reaching the finish line Action Images via Reuters / Matthew Childs Livepic
كلما سمعت تلك الكلمة، خطر على بالي درس الرياضيات: "الدالة المستمرة" وفي تعريفها المبسط: هي الدالة التي تستطيع رسم بيانها دون أن ترفع يدك من على الورقة. وبإسقاط هذا المفهوم على مختلف أمور حياتنا، نجد أن مفهوم الاستمرارية غائب غيابا جزئيا إن لم يكن ذاك الغياب تاما. ولنأخذ على سبيل المثال من أراد تعلم لغة ما، فتجده في أيامه الأولى متحمسا بشدة، على قدر كبير من أهل العزم وربما قد يتمادى ليأخذ لها من كامل وقته فينسى نفسه في رحاب ذلك. ومع مرور الأيام ينقلب الحال، ليسلك نَفسَ الشخص المتكاسل المتثاقل، فتجده لا يكاد يقوى على حمل نفسه لفتح كتاب أو متابعة درس أو غير ذلك مما اعتاد مزاولته في البداية.
ونفس الكلام ينطبق على القارئ والكاتب المتحمس، والعامل المجد، وطالب المجد والراغب في الوصول إلى معالي الأمور، ولا يقتصر هذا على الأمور الدنيوية بل حتى من يطلب الدارين ومن كان مراده الفوز بالجنة. فتجده في بداية المشوار عالي الهمة، مقبلا عليها إقبالا عجيبا، لا يصيبه ملل ولا فتور ولا تضره عقبات الطريق ولا الملذات هي تحول بينه وبين مراده، وسرعان ما ينقلب الحال بتواتر الأيام والشهور.

قد تجد قارئا هاويا يقبل على القراءة لساعات طويلة في يوم واحد ويعرض بعدها لأسبوع أو شهر أو غير ذلك من الزمن، ولو أنه اكتفى بقراءة جزء يسير كل يوم لكان خيرا له.

وأبلغ مثال قد يتراءى لي ولكم سيدي القارئ في هذا الصدد هو مداومة الصبي على الحبْو إلى غاية إتقانه رغم كثرة عثراته وقلة حيلته، ويواصل بعد ذلك مسيره نحو المشي، فتجد مثابرا على تعلم المشي دون كلل أو ملل فيقف تارة بجنب الطاولة ويمشي بمحاذاتها وتارة ممسكا بيدي أمه أو أبيه وتارة أخرى تراه مهرولا من قلة توازنه يكاد يهوى على أنفه، ليصل في نهاية الحال إلى الهدف المنشود وهو المشي.

وبالرجوع إلى السنة النبوية الشريفة، فعن عائشة -رضي الله عنها -قالت: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل. وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون). وقد يحتمل هذا على أمران: الأول، أن يكون المراد بالدوام الترفق بالنفس وتدريبها في التعبد لئلا تضجر، و الثاني أن المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت ليجازي بالبر لكثرة تردده.

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع لنا شيئا إلا وبيَّــنَه، ولو كان الحديث في سياق الأعمال التي تقرب إلى الله من صوم وصدقة ونوافل وأن أحبّها إلى الله ما داوم عليه المؤمن ولو كان قليلا، مما يبعث في النفس طمأنينة بالذكر لا ضجرا منه، ورغبة فيه لا إعراضا عنه. غير أنه لو أسقطنا الحديث وقسناه على أمورنا الدنيوية لأتى ذلك بثماره.

عن عائشة -رضي الله عنها -قالت: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل. وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون).

فقد تجد قارئا هاويا يقبل على القراءة لساعات طويلة في يوم واحد ويعرض بعدها لأسبوع أو شهر أو غير ذلك من الزمن، ولو أنه اكتفى بقراءة جزء يسير أو ربع ساعة كل يوم لكان خيرا له ، وكذا الرياضي و المتمدرس الذي لا يفتح كتابه إلا ليلة الامتحان ، أما كان يكفينا نصف ساعة في اليوم فقط ندارس فيها ولو بقراءة سطحية، لا لأن التصفح السريع يساعد على المذاكرة، بل من أجل تعويد النفس وتحبيب الدراسة لها ول وبعد حين.

والحال لمن أراد بلوغ طريقا ما أن يبدأ بسلاسة ولو بشيء يسير، لا بداية ثائر وفورة مثابر ما تلبث أن تخمد الأيام شعلتها، ولا يتأتى هذا إلا برسم مسار واضح يتطلب منا أن نسير عليه بخطى ثابتة بدوام واستمرارية، لا بخطى مسرعة حد الإجهاد ولا بطيئة حد التكاسل. "كأننا القلم وكأننا الدالة ومسارنا هو رسمها البياني".