وزن صوت المرأة في الانتخابات التشريعية بالجزائر

"لقد صوَّت لي الرجال والشباب"، و"لقد صوّتت لك النساء والعجائز"، هكذا تهجم أحد المترشحين البرلمانيين على منافسه مدعيا أن أصواته، وإن كانت أقل عددا من أصوات منافسه فهي أكثر اعتبارا وقدرا لكونها أصواتا رجالية ولفئات عمرية شبابية! كان الحوار متلفزا لأجل نقاش النتائج الانتخابية. 

بغض النظر عن صحة المزاعم المطروحة في ظل مقاطعة حالقة، وبغض النظر عن قائلها، فإن خطابا كهذا يطرح الكثير من الأسئلة حول مدى النضج السياسي لبعض المترشحين. فهل أفهم من خطابه بأن جميع من صوتوا له كانوا رجالا؟ لأن لفظ "النساء" المستخدم في تهجمه يوحي بعدم وجود أيّ نساء بقائمة الشباب الذين صوتوا لصالحه، بحسب زعمه؟ أم أن ذلك يعكس أن صوت المرأة الذي بصندوقه ما هو إلا درجة لوضع قدمه على رأسها للارتقاء نحو البرلمان، ولكن لا وزن له عنده، ولا اعتزاز به، ولذلك فهو في حكم المحسوب عددا والمعدوم معنى واعتبارا؟
 
رجعت إلى منطق مترشح منطقتنا فأدركت أن دعوته لي بأن أكون كعنصر نسوي ضمن قائمته الانتخابية ما كانت إلا دعوة كي أحقق ديكورا انتخابيا.

سأركز هنا على التمييز على أساس الجنس بسبب تأكيده عليه أثناء خطابه الذي قابل الرجال بالنساء، وبسبب ضيق هذا المقال عن تفاصيل النقاش حول الفئة الشبابية برجالها ونسائها. إن خطاب هذا المترشح يطرح أسئلة عديدة حول تصور دور المرأة في العملية السياسية بالجزائر، وطبيعة مشاركتها في الانتخابات والتمثيل البرلماني؛ إذ يعتبر أن أصوات النساء أقل اعتبارا ووزنا من أصوات الرجال، فهل يقترح برنامجه المستقبلي أن نضع صناديق انتخابية للرجال وصناديق أخرى خاصة بأصوات النساء؟ هل سيعدل قانون الانتخابات كي تحدد فيه نسبة وزن صوت المرأة الانتخابي مقارنة بصوت الرجل؟ أم أن الأفضل والأصلح إلغاء حق الانتخاب للنساء كي يتساوى الجميع بأصوات رجالية؟

لقد غاب عن محدثنا أننا في القرن 21 في مدينة لندن وأنه مترشح لتمثيل المواطن الجزائري بغض النظر عن جنسه، وأن مفهوم المواطنة قد تجاوز الميزان المجحف الذي يستخدمه. يستغرب هذا الخطاب من مرشح برلماني يقدم نفسه ليشارك في العملية التشريعية بالوطن والتي ستمسّ الإنسان رجلا كان أو امرأة، ولذلك فحق المرأة في اختيار من يمثلها كمواطنة لا يقل شأنا عن حق الرجل في ذلك.

إن لم يتعلم صاحب هذا الخطاب من الخطاب السياسي بمدينته لندن التي أنتجت عمدة من أقلية مسلمة اعتبارا لصوت المواطنين بنسائهم ورجالهم، أليس لأمثاله في تراثنا الإسلامي ما يغنيهم عن هذا التصور الفاسد حول وزن صوت المرأة السياسي؟ لقد بايعت النساء النبيّ، صلى الله عليه وسلم، في المراحل الأولى من بناء الدولة، ولقد أعطي حق الإجارة السياسية، في شخصيات مهمة، إلى نساء، فأجارت زينب، رضي الله عنها، بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زوجها ولم تكن بحاجة إلى استئذان خاتم الرسل قبل إعلان إجارتها لرجل من الطرف المحارب للمسلمين.

نعم، لقد قبلت إجارتها في مجتمع جديد يبنى على كرامة الإنسان برجاله ونسائه، ولم ينكر عليها أبوها الرسول القائد إجارتها ولا إعلانها ذلك في المسجد قبل مشورته، وكان باستطاعتها تقديمه لأبيها أولا! كما أن أمّ هانئ، رضي الله عنها، قد أجارت عقب فتح مكة من حكم عليه بالإعدام لشدة عداوته للإسلام والمسلمين. لقد ردّت قرار عليّ رضي الله عنه بقتله، وذهبت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تشتكي تعدي أخيها على حقها السياسي في الإجارة فأقرّها الرسول القائد، صلى الله عليه وسلم، على إجارتها بعبارة خالدة تحترم الصوت السياسي للمرأة: "قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانئ"! فأي مستوى سامق يرفعنا إليه خطاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشأن قدر المرأة السياسي، وأي مستوى سحيق يجرنا إليه خطاب: أصواتي أصوات رجال؟!

رجعت إلى منطق مترشح منطقتنا فأدركت أن دعوته لي بأن أكون كعنصر نسوي ضمن قائمته الانتخابية ما كانت إلا دعوة كي أحقق ديكورا انتخابيا إذن، كيف لا، والصوت النسوي أقل شأنا من الصوت الرجالي بحسب تقديره؟ كيف لا، والمواطنة بالنسبة له صارت بالدرجات بحسب الجنس؟ ليس هذا المنطق بالجديد وليس يختص بشخص بحد ذاته، فرئيس الوزراء عبد المالك سلال رأى أن من حقه أن يأمر النساء بأن يقمن بحملة تمرد بحرمان أزواجهن من القهوة، وبجرّهم وضربهم لأجل الانتخاب.

وإن كان قد قالها بنبرة مازحة بتهديدهن بالضرب (مجازا)، إن لم يفعلن ذلك ثم تركهن بعد توجيهاته السامية للغناء والرقص تحت إشراف "سامية"، كما ذكر في خطابه؛ فإن هذا الخطاب يعكس ثقافة مستقرة عند رئيس الحكومة وأمثاله. لعل التأمل السطحي لهذا الخطاب الباهت سيظهر وكأن رئيس الحكومة يقوي النساء سياسيا، ولكنه سيغفل بذلك حق المرأة في المقاطعة والمعارضة السياسية المهددة لنسب المشاركة. ينحصر دور المرأة في هذا التصور السياسي في تنفيذ الأوامر، والزغاريد، والرقص لصاحب السلطان.

هل سيعدل قانون الانتخابات كي تحدد فيه نسبة وزن صوت المرأة الانتخابي مقارنة بصوت الرجل؟ أم أن الأفضل والأصلح إلغاء حق الانتخاب للنساء.

إن هذه الثقافة تجعل لصاحب السلطة الحق أن يطلب من المرأة ما تفعله، فهي لا تزال تابعة لخطابه الساذج الذي قد لا ينساق الرجل في مجراه؛ لأجل ذلك فلا غرابة أن يردّ عليه بحملة أخرى من بعض الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد: بأني لا أزال رجلا وسأخبر زوجتي كيف تصوِّت!! لست أجد فرقا بين الخطابين، فليس في أي منهما كرامة لرأي المرأة بقدر الصراع على من له الحق في الإملاء عليها ما يجب فعله، هل رئيس الحكومة؟ أو رئيس الأسرة؟ أو رئيس الحزب؟ أو رئيس القائمة، ربما؟ من له الحق أن يضربها إن عصت الأوامر: رئيس الدولة، كما حدث في المهرجان الانتخابي للعهدة الرابعة؟ أو رئيس الحكومة؟ أو رئيس الأسرة؟ أين مفهوم كرامة الرأي الحرّ؟

في ظل هذا الوضع البائس فلست أستغرب غياب صور بعض النساء في بعض القوائم الانتخابية فغالبا تكون الحاجة لاسمها فحسب كي تحقق الديكور السياسي المزيّف الذي يتناسق والديكور الديمقراطي المزيف. كنت من المقاطعين للانتخابات التشريعية كي لا أكون مجرد ديكور للعبة محسوبة النتائج مسبقا؛ ومن باب أولى أن أرفض اعتلاء قائمة لا رأي لي فيها إلا الانتظار الديكوري.

سأنتخب وأشارك يوم أرى صوتي كمواطنة له وقعه في القرار السياسي لبلادي، ولعلي سأفكر في الترشح يومئذ حين أرى دعوتي للترشح بدافع كفاءتي كإنسان ناضج له رأيه الحصيف في تحقيق برنامج نافع لبلادي أستشار في تفاصيله، وليس مجرد اسم أنثوي ديكوري لقائمة يعتبر مترئسها أصوات النساء أقل وزنا من أصوات الرجال، مما يعني مواطنة من الدرجة الثانية.

في انتظار ذلك اليوم، فإني أرجو ألا نرى مستقبلا صناديق انتخابية يختلف وزن ورقاتها بحسب الجنس أو العمر أو غير ذلك، ولا يهم لمن سيكون التمييز؛ لأنه سيكون حتما لصالح تزوير الحقيقة وليس على أساس احترام مبدأ كرامة المواطن كإنسان. أما حاليا فدعنا في التمييز على أساس الولاء لبرنامج الرئيس.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انطلقت صباح اليوم الأحد عملية التصويت في جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية بين مرشح الوسط إيمانويل ماكرون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، في ظل ظروف أمنية مشددة.

الأكثر قراءة