لا تخافوا على الأزهر

الأزهر الشريف.. جامع العلوم والحِكَم، وجامعة الشهداء والقِمم، ومقصِد الدعاة وطلاب العلم من شتى بقاع الأرض، هو قبلة لكل طالب، ومحراب لكل عالم، ومنبر لكل خطيب، في حلقاته حُفظ القرآن وفُسِّرت آياته بتجويد وهمة، وبين أعمدته دُرِّست العلوم وأصول السنة، ومن بين جوانبه خرج الوعَّاظ يدعون إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن على أبوابه هتف القادة بالجهاد لنصرة الأمة، فكان الأزهر بأبنائه في مقدمة الصفوف، رافعين للراية، مبشرين ومنذرين يجاهدون في سبيل الله حق جهاده.

لهم في كل ميدان نصيب فمنهم الدعاة والوعَّاظ وسفراء الإسلام، ومنهم العلماء بالطب والفلك والحساب، ومنهم الرواد في السياسة والتربية والاجتماع، ومنهم أهل الحَل والعقدِ في الحكم وأمور النزاع، ومنهم صُنَّاع الهندسة والعلوم أصحاب الاختراع، ومنهم أهل الفلسفة واللغة ومفتي الناس بأحكام البيع والشراء، وهم فوق ذلك أهل الشرع والفقه وأعلم الناس بالسنة والابتداع، فلا توجد مدرسة علمية في المشرق ولا في المغرب خدمت العلوم الشرعية والإنسانية والتجريبية بشتى أنواعها كما قام به الأزهر الشريف.

الأزهر ليس شيخاً جباناً رعديد مهادن، ولا مفتي يُصدِّق على إعدام الأبرياء، ولا أصحاب عِمَمٍ يُرهبهم سوط السجان، يرمي لهم بعض لُقيمات هنا وهناك فيفتنهم في دينهم.

فمن يستطيع أن يُنكر دورَ الأزهر في الحفاظ على هوية الأمة عبر قرون من الزمان، فقد كان قلعة الإسلام الحصينة ضد كل محاولات الانحراف والتطرف، الأزهر الشريف الذي ظل قرابة ألف عام تنبعثُ منه الجيوش، وتخرج منه الثورات الإصلاحية، وفيه يتربى قادة الأمة وملوكها.

كان وما يزال منارة تشِع نوراً على العالم في أحلك الظلمات، وينبوعًا للعلم لا يجف في أشد أوقات العالم جهلاً وظلامًا، وكيف لا؟ والأزهر منهج الوسطية والاعتدال، والتاريخ خير شاهد، فلم يكن الأزهر يوماً تابعاً لنظام ولا لسلطة، ولم يكن شيوخه يوماً أصحاب مغنمٍ أو مظهرٍ أو جاه أو تقدُم أو تأخُر، بل أصحاب عقيدة وسطيَّة وشريعة سمحة، يُبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله، فتلقت شعوب الأرض المسلمة منهجهم بالقبول وعاشت عليه قروناً من الزمان.

الأزهر الشريف الذي حفظ الله به تراث الأمة ولغتُها، فكان الموئِل لعلوم الإسلام كلِّها في أصعب الأوقات من تاريخنا الإسلامي كلِّه، فبعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وهجوم التتار من الشرق، وسقوط الأندلس من الغرب، ضاع أكثر التراث العلمي للمسلمين، وقُتل العلماء، وأُحرقت الكتب، واختلط الحِبرُ بالماء في دجلة والفرات، فأوكل الله حفظ دينه للأزهر الشريف، فأصبح هو المأوى والمستقر، الذي آبت إليه علوم الدين واللغة، كما حافظ على اللغة العربية من التتريك باللغة التركية في ظل الخلافة العثمانية، وأصبح الأزهر العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي كله. حتى أنشد شوقي قائلاً:

ظلمات لا ترى في جُنحِها غير هذا الأزهرِ السمحِ شهابا
قسماً لولاه لم يبق بها رجلٌ يقرأ أو يدري الكتابا
حفظ الدين مليَّاً ومضى يُنقذ الدنيا فلم يملك ذهابا
 

من يستطيع أن ينسى دورَ الأزهر، في التصدي لجبروت الحكام والسلاطين قديماً وحديثاً، فمنذ أكثر من ألف عام لم يستطع حاكم ولا ملك ولا رئيس أن يجعل من الأزهر مطيَّة لقراراته، أو مُتَّكأ لتمرير سياساته، مهما كانت المشقَّة وبلغت الكلفة، فقول الحق، وموافقة الشرع، والحكم بما أنزل الله، هو ميراثٌ يتوارثهُ الأزاهرة جيلاً بعد جيل، فينادون بشرع الله ولو عُلِّقت الرقاب على المشانق، فهذا شيخ الأزهر "عبدالله الشرقاوي" يواجه أمراء المماليك الذين اعتدوا على أموال المصريين من أهل بلبيس، الذين ذهبوا للأزهر واعتصموا به وقدموا الشكوى لشيخه، فقاد بنفسه مظاهرة ضد المماليك، وأعاد للناس أموالهم ووضع نظاماً للعمل يحمي المصريين من ظلم الظالمين.

ثم كان للأزهر صفحة مجيدة في مقارعة الاستعمار الفرنسي، عندما غزا الفرنسيون مصر بقيادة نابليون عام 1798م ، كان الأزهر في مقدمة الصفوف، واجتمع الناس في صحن المسجد الجامع، وانطلقوا يشعلون شرارات ثورة القاهرة الأولى والثانية، حتى تم قتل "كليبر" قائد الحملة على يد "سليمان الحلبي" أحد طلاب الأزهر.

ثم تمر السنين ويكون الأزهر في مقدمة الصفوف في الثورة العرابية 1881م، لمقاومة التدخل الإنجليزي، وكذلك عندما بدأت ثورات الشعب المصري1919م، حاول المحتل الإنجليزي زرع الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط في مصر فكان الأزهر صمام الأمان، الذي فطن لمحاولات المحتل لزرع الفتنة الطائفية فبددها، حتى إن المندوب السامي البريطاني طلب إلى شيخ الأزهر "أبي الفضل الجيزاوي" إغلاق الأزهر، ولكن الشيخ رفض، وبقي الأزهر يتحدى السلطات الاستعمارية ويزكِّي روح الوحدة الوطنية. وكذلك استمر الأزهر شامخاً قوياً أمام كل عدوان على أرض مصر، حتى أثناء العدوان الثلاثي على مصر 1956م، يدرك "عبدالناصر" قيمة الأزهر، فيصعد على منبره ويخطب خطبته التاريخية ليعلن عدم استسلام مصر للعدوان.

الأزهر رجالاً من الشرفاء، والعلماءً الأجلاء، يحملون العبء بعد أن تخلى عنه رفقائهم، ويبلغون الحق ولو على رقابهم، لا يخافون في الله لومة لائم.

وتمر السنين ويظل الأزهر شامخاً قوياً، مهما طرأ عليه بعض الضَّعف، أو بدت عليه بعض مظاهر المرض، حتى وصلنا إلى الانقلاب العسكري الغاشم 2013م، فكان رد جامعة الأزهر بأبنائها على قدر الحدث، فكانوا رجالاً لا يقبلون الضيم، ولا ينزلون على رأي الفسدة، فخرج الأساتذة قبل الطلاب، والشيوخ قبل التلاميذ، من شتى أنحاء مصر، ليعلنوا رفضهم التام لحكم العسكر، ومن ثَمَّ دفعوا وما زالوا يدفعون ثمن مواقفهم تلك، من سجن واعتقال، وتشريد وإبعاد، وفصل تعسُّفي وقطع للأرزاق، ولكنهم ومع ذلك يرددون مقولة شيخهم شيخ الأزهر "محمد المراغي"، حينما طلب منه الملك "فاروق" أن يُصدِر له فتوى بعودة طليقته "ناريمان" دون محلل، فرد عليه قولته في وجه وقال: "إن المراغي لا يُحلِّلُ ما حرَّم الله". فكذلك رجال الأزهر لن يعطوا الدنيَّة للظالمين ولو نُشِرت أجسادهم بالمناشير.

وأخيراً يا أبناء الأزهر يا مِلحُ البلد، لا تخافوا على الأزهر، فمن كسر المماليك وباعهم في الأسواق، وطرد المحتل وأوجع ظهورهم بالسِّياط، لن يرهبه بلطجيٌّ مُنقلب يحمل مدفعاً، أو إعلاميُّ مرتزق يحمل ميكروفون يريد أن يناطح الجبل الأشم ويُشوه حصن الإسلام والمسلمين، وأعلموا كذلك أن الأزهر ليس شيخاً جباناً رعديد مهادن، ولا مفتي يُصدِّق على إعدام الأبرياء، ولا أصحاب عِمَمٍ يُرهبهم سوط السجان، يرمي لهم بعض لُقيمات هنا وهناك فيفتنهم في دينهم، وإنما الأزهر رجالاً شرفاء، وعلماءً أجلاء، يحملون العبء بعد أن تخلى عنه رفقائهم، ويبلغون الحق ولو على رقابهم، لا يخافون في الله لومة لائم.

ابحثوا عن علماء الأزهر الحقيقيين في حلقات المسجد الجامع، وخلف أعمدة الدعوة، وفي الصفوف الأولى في ميدان الجهاد ضد كل ظالم، فإن لم تجدوهم هناك! فحتماً ستجدوهم إما شهداء مجاهدون، مع "بن تيمية وبن حنبل والعز بن عبد السلام وعبد الرحمن عويس وياسر طه وحسام حسن وكريم الصياد"، أو أحراراً خلف أسوار الظالمين يقبعون بجوار محمد البلتاجي وصلاح سلطان وحازم أبو اسماعيل وعبد الرحمن البر وعبدالله بركات وأحمد عبد البديع وأحمد زين وغيرهم الكثير.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شهدت القاهرة سلسلة من المباحثات بين مسؤولين من وزارة الأوقاف والأزهر ودار الإفتاء لإنشاء أكاديمية لتدريب الأئمة، فيما اعتبره علماء دين حلقة جديدة للهيمنة على الخطاب الديني الذي تتبناه السلطة.

منذ تفجيرات الكنائس الأحد الماضي، اتخذ علماء الأزهر موضع الدفاع عن مؤسستهم المتهمة من قبل إعلاميين وكتّاب برعاية الإرهاب وتصاعد مطالبهم إزاءه بضرورة "تعديل مناهجه المنتجة للإرهابيين"، حسب تعبيرهم.

الأكثر قراءة