فيوز القلب محروقة في التضحيات المشنوقة

Electricity

خوفاً على الأجهزة الكهربائية من العطل التام والتلف الكبير تقومُ بعضُ القواطع المصمّمة لغرض الأمان بحجزِ الكهرباء عنها عندَ حدوث خلل في استمرار تدفّق هذه الطاقة إليها، وبذلك تسمحُ للإنسان أن يتنبّه لعطلها ويتدخّلَ لإصلاحها واستبدال التالف منها مراعياً معرفة السبب الذي من أجله احترقَت " الفيوز" وإعادة التشغيل بعدَ أن يطمئنّ بأن الأمور ستيسرُ على ما يُرام ..

 

والمُبهِرُ في هذه النظرية أنّ الحاجزَ الذي يمنعُ تأثّر الأجهزة أو الشبكة الكهربائيّة الداخلية للمنازل أو المصانع يحترِقُ ليُنقِذَ غيرَه وكأنّه الشّمعة التي يتغنّى بها الرومانسيّون ويصفونها بأّنها التي تتلظّى بنارٍ لتُضيءَ لغيرها طريقَه،ورغمَ هذا العمل الشريف الذي تضطّلعُ به "الفيوز" وتنتحرُ لأجل عيون الأجهزة لا تكونُ مكافأتها سوى الاستبدال والإلقاء في سلّة النّفايات ..

 

في السّابق كانت هناكَ قواطع كهربائيّة أو "فيوز" يحترِقُ بداخلها بعضُها ويقومُ الفنّيّ البدائي في ذلك الزّمن باستبدال ذلك الجزء أو الشريحة النّحاسيّة بغيرها وينفُخُ فيها بهواءِ فمِه راجياً تنظيفها من غبار الاحتراق وبذلك يأذنُ لها بدورة جديدة من العمل في نشاطٍ وحيويّة تُفرِحُ أهل البيت أنّ الكهرباء عادَت لمروحتهم القديمة ومصباحهم الوحيد بغرفتهم المتهالكة ..

 

وتتَابَعتْ فلسفة التضحية بأجزاءٍ بسيطة لأجل أهداف غالية حتّى اصطلَح الكهربائيّون والفنّييون على أسماءَ مثل "الشُّورت" و "الباوَرْ سبْلاي" و "الطّبلون" وغيرها من المسمّيات التي تدورُ كلّها على احتراق "الفيوز" بسبب التنبيهِ على شرّ تفادَتْهُ التضحية بمهنيّة وشجاعةٍ عالية ..

 

كُنّا لا نبحَثُ عن سببِ الاحتراق ولا علّة العارض الكهربائيّ أبداً بل نُسرِعُ لمكانِ وجود تلك "الفيوزات" ونقوم باستبدالها بأخرى لتعود الأمور كما كانت،وربّما اشترينا عدداً كبيراً من هذه "القواطع" تحسّباً لأي طارئ دونَ أن يلفِتَ نظرَنا كثرةُ الأعطال وتكرار الخلل،وكلّما ازدادَ الماسُ الكهربائيّ كلّما ازددْنا حرصاً على اقتناء شرائحَ نحاسيّة جديدةأو مستعملة،متدرّبينَ على تجهيزها وتركيبها بتلقائيّة عجيبة ..

 

وحينَ تخمّرِتْ هذه العمليّة اليوميّة في نفوس مجتمعاتنا التي تلقّتْ اختراعَ الكهرباء بإكبارٍ وإعجابٍ كبيرين وأصبَحَت من أكثرِ المجتمعات استهلاكاً لها وإسرافاً لمصادرها ولو لغير حاجة انعكَسَ الأمرُ على وجهةِ نظرِ البعضِ منّا تجاه الأشياء المادّية الأخرى إذْ أصبحَ لدى آحاد النّاس شبهُ قناعةٍ بأنّ لكلّ أمرٍ "فيوزاً" يمكنُ أن تحترق ولا مانع من أن تُسبدَل فهي أقلّ القطعِ ثمناً في الأجهزة فلا خوفَ على الأعطال الظاهريّة والعبرة في مَلْئ المستودعات "بالفيوزات" ..

 

اليوم وعبرَ أغنية قديمة جداً شدا بها أحدُهم وقال وهو يتأوّهُ عشقاً وغراماً "فُيوزَ القلبِ مَحروقه،وفي جِسمي ضَربْني ماسْ،حتى الأكْلِ ما ذُوقَه،ذي من سَوايا الحبّ يا ناسْ" يبدو لي أنّ هذا هو حالُ كثيرٍ معَ مُشكلاتٍ يُعاني منها،فالجُهدُ منصبٌّ على توصيفِ المشكلات ومدى المعاناة منها،رغمَ العلم اليقين بأنّ "القواطع" قد نبّهَتْ على خللٍ في الجهاز العاطفي أو النفسي وأنّ "الفيوزَ" قد احترَقَت،ومن المفروض على الأقل التعامل معها وفقَ التقليد السائد واستبدالِها بأخرى ..

 

لكنّ الأمر هنا يتوقّفُ وتصيرُ المشكلةُ مصيبةً والمصيبةُ عاهةً مستديمة والاستجداءُ سبيلاً للنجاة والتلذُّذ بالألم شهوةً في سلوكيّاتٍ سَادِيَّةٍ عكسيّة الاتجاه نحوَ النفس،فلا نحنُ قُمنا باستغلال القطعِ الموجودة في مستودعات نفوسنا بقطعٍ أخرى متاحةٍ للجميع،ولا نحنُ نظرنا للأعطال الحاصلة بأنّها مدعاةٌ للبحث والتشخيص والتفتيش لعلّ أن نعثُرَ على سُوسٍ ينخُرُ في الجسد أو سرطانٍ يتغلغل في القلب يمكنُ السيطرة عليه في مراحله الأولى دونَ عناءٍ كبير ..

 

ضربَ الماسُ الجسمَ واحترقَتْ "فيوزُ" القلبِ ولم يعُدْ للأكل مذاقٌ والعلّة معروفةٌ بأنّها الهوى،وماذا بعد؟ لاشيء،سوى دندنةٌ وبُكاءٌ وعويلٌ ورقصٌ على أنقاضِ مشكلة،لأنّ العقل المجتمعي رسَخَ في ثقافته بأنّ احتراق "الفيوز" ليسَ مشكلةً أصلاً واستبدالها بغيرها سهلٌ للغاية وإعادة التشغيل هي عادةُ من يتعاملُ مع الإلكترونيّات،وعندَما يحصُلُ ذاتُ النّمط في النفس ولا رغبةَ في الاستبدال حتّى تظلّ الحالةُ المُحزنة قائمة إمعاناً في ترقيق قلبِ الحبيب،فلا مانع إذنْ أن تحترقَ "الفيوز" وتظلّ حُجراتُ القلبِ مظلمة حتى إشعارٍ آخر أو حبيبٍ آخر ..

 

أمّا أن يستمرّ النظرُ قاصراً عندَ حدود العوارض متناسياً المرض فتلك هي القشّةُ التي قصَمَتْ ظهرَ كُلّ بعيرٍ وكسرَتْ رجلَ كلِّ مهرول

هُناكَ أشخاصٌ هم صمّامُ أمانِ المجتمعات،وهناكَ أخلاقٌ هي "فيوزُ" الإضاءة في سماءِ السلوكيّات،وهناكَ علاجاتٌ هي "قواطع" المنع لتحوّلٍ نحوَ الأسوأ،وعلى العاقلين أن يأتوا مسرعين لأحد هذه المواضع الثلاثة "الصمامُ والفيوز والقواطع" ويروا عملية الاحتراق أو الإيقاف أو التنبيه ومن ثمَّ ينطلقون لرحلة هامّة في تعقّبِ أدواتِ النظام وشرايين القلوب وشرائح المجتمع بحثاً عن الخلل الحقيقي وإصلاحه ويعودون في خطواتٍ سريعة لاستبدال "الفيوز" وبذلك ينجحون..

 

أمّا أن يستمرّ النظرُ قاصراً عندَ حدود العوارض متناسياً المرض فتلك هي القشّةُ التي قصَمَتْ ظهرَ كُلّ بعيرٍ وكسرَتْ رجلَ كلِّ مهرول وجعلَتْ الباكي يغنّي "فيوزَ القلبِ محروقه،وفي جِسْمي ضرِبْني ماسْ" وستظلّ هكذا إن لم تُدَارَك ..

والنّاسُ الذينَ مثَّلوا تضحيةً رهيبةً احتراقاً واشتعالاً سيصبحُ مصيرُهم ـ والحالةُ هكذا ـ مصيرَ "فيوزٍ" احترَقَتْ فاستُبدِلَت أو توقَفَت فنُسِيَتْ.