شعار قسم مدونات

دعاة التبعية بين الماضي والحاضر

blogs - نتنياهو
في مارس 2016، عقدت قمة رباعية جمعت الصهيوني نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي السابق كيري، وقائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني عبدالله الثاني، في منطقة العقبة الأردنية، وعرض فيها كيري على نتنياهو مبادرة تتضمن الاعتراف بيهودية إسرائيل واستئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، وحسب صحيفة هآرتس التي نشرت الخبر فقد رفض نتنياهو المبادرة بينما وافق عليها العاهل الأردني والسيسي، في حادثة تعكس مدى الانبطاح الذي وصلت إليه الزعامات العربية، التي تتجسد في التنازلات التي تقدم للكيان الصهيوني، واحدة تلو الأخرى.
خلال الأيام الماضية لا ينسى قاضي السلطة الفلسطينية محمود الهباش، أن يطل على الشارع الفلسطيني بخطبه التحريضية، ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس، والدعوة لمواجهتها في قطاع غزة، وهذه الخطب يغلب عليها الانفعال على عكس خطب السلام، والانبطاح التي يوجهها للصهاينة، وبوجه بشوش، يفيض رحمة، ويخفي حالة انهزامية أمام المحتل، ومن كثرة حديثه التحريضي، والانبطاحي، ما زلت أردد: ليته سكت!

المنبطحون أو المنهزمون نفسياً؛ ابتليت بهم الأمة الإسلامية منذ قديم الزمان، فهم خطيئة الأمة التي تتكرر في كل مرة، مع اختلاف الزمان فقط، وتطور وسائل الانبطاح وتقديم التنازلات، لتبدو متماهية مع العصور المختلفة، مع التأكيد على أن تأثير الانبطاح في الماضي يختلف عن التأثير الواسع في عصر السماوات المفتوحة.

عندما قرر التتار بدء معاركهم التوسعية في العالم الإسلامي عام 617هـ، احتلال وتدمير المدن الإسلامية في شرقي آسيا، كان للمنبطحين، والمتخاذلين، دورهم المخزي في نقل الشائعات التي تعلي من شأن قوة التتار، وتحط من معنويات المسلمين، بسبب خوفهم على حياة رخيصة خيوطها بيد محتل همجي، وقرر هؤلاء المنبطحين عدم مواجهة التتار أيضا، مفضلين الموت بمذلة على الموت بشرف وبسالة.

ينبغي على المسلمين، أن يغرسوا في أبنائهم قيم التضحية، وعدم الخوف من العدو مهما بلغت قوته، عندما يتعلق الأمر بقضية عادلة، لا تقبل المساومة، حتى نرى جيلاً لا يخاف التخدير الإعلامي، والحرب الدعائية التي تنتشر لإرهاب المسلمين.

هؤلاء المتخاذلون كانوا موجودين على امتداد الطريق الرابط بين مملكة التتار وحتى بغداد عاصمة الخلافة الراشدة في ذلك الوقت، وكثير من كتب التاريخ تروي قصصا مخزية عنهم، وكيف كانوا أداة طيّعة لتنفيذ أوامر جنود التتار بسبب جبنهم، حتى ولو أفضت هذه الأوامر إلى قتلهم، ومن ذلك ما رواه ابن الأثير في كتابه الكامل الذي روى فيه عشرات القصص التي تكشف مدى الانبطاح والمهانة والخوف التي عاشها المسلمون بعد تخليهم عن واجب الجهاد، والحق المشروع في الدفاع عن العرض، والأرض، وقبل ذلك عقيدتهم، وشرفهم.

ومن القصص التي رواها ابن الأثير أن "التتري كان يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس، فيبدأ بقتلهم واحداً تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم، أو دفاع!"، ويروي ابن الأثير أيضاً أن رجلاً من المسلمين قال له: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس واحد من التتر، وأمرنا أن يقيّد بعضنا بعضاً، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟! فقالوا: نخاف، فقلت لهم: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل ذلك، فأخذت سكيناً وقتلته، وهربنا فنجونا".

عندما يوجد من يخذل المسلمين من بينهم، ويخاف العدو، ويعلي من قوته لينشر الهزيمة المعنوية بين أبناء أمته، ممتطياً المنابر الإعلامية، ومستغلاً مكانته المرموقة، فلا يعكس ذلك سوى الجبن، الذي وصل إليه بعضهم، والحقد الذي وصل إليه البعض الآخر، ممن يرى في الإسلام تخلفا، ورجعية، وفي الغرب حضارة وإنسانية.

وينبغي على المسلمين، أن يغرسوا في أبنائهم قيم التضحية، وعدم الخوف من العدو مهما بلغت قوته، عندما يتعلق الأمر بقضية عادلة، لا تقبل المساومة، حتى نرى جيلاً لا يخاف التخدير الإعلامي، والحرب الدعائية التي تنتشر لإرهاب المسلمين، وإخضاعهم بشكل ناعم للأمر الواقع، من منطلق اليأس الذي يزرع كل لحظة، في ربوع أوطاننا المغتصبة.

إن الدور الذي يلعبه المنبطحون للغرب، عبروسائل الإعلام المتنوعة، ومن خلال الرسائل الناعمة المتعددة، من دعوة للمسلمين بترك تعاليم الدين باعتبارها تقاليداً ليس إلا، وأنها لا تتناسب مع القرن الحادي والعشرين.

وينبغي أيضاً تنمية الاعتزاز بالهوية الإسلامية، والفتوحات التي صنعت أمجاد المسلمين في الماضي، والاستفادة من المواقف العظيمة في الشدائد، والتي تعكس مثابرة الرواد الأوائل، وعدم استسلامهم للأمر الواقع، بل صناعة واقع جديد، تكون لهم فيه زمام المبادرة، ومن ذلك موقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلـم، وأصحابه يوم أحد، عندما انسحب كبير المنافقين عبد الله ابن أبي سلول بثلث الجيش، حيث لم يستسلم المسلمون للأراجيف، التي حاولت تثبيط عزائمهم، والحط من معنوياتهم، وخاضوا المعركة وكأن شيئاً لم يكن.

عندما قرر الخليفة العباسي المعتصم بالله فتح مدينة عمورية، أخبره أحد العرّافين أنه سيهزم، في حال قرر خوض المعركة، وعدم التريث لعام آخر، لكن إرادة الخليفة المعتز بهويته، لم تستسلم للدعاية النفسية، وكان النصر حليفه في معركة دونتها كتب التاريخ، وأضحت درساً تتناقله المعاهد والمدارس، على امتداد قرون من الزمن، وما زالت حتى يومنا هذا.

إن الدور الذي يلعبه المنبطحون للغرب، عبروسائل الإعلام المتنوعة، ومن خلال الرسائل الناعمة المتعددة، من دعوة للمسلمين بترك تعاليم الدين باعتبارها تقاليداً ليس إلا، وأنها لا تتناسب مع القرن الحادي والعشرين، ودعوتهم أيضاً للسلام والتعايش مع الأعداء الذين يقتلوننا كل ساعة، وعلى أساس التبعية، هذا الدور لا يمكن أن يقبله مسلم، تربى في كنف عزة الله، وعبوديته، وعرف معنى الحرية الحقيقة في ظل الإسلام، وليس أخطر من كلام المنهزمين نفسياً أمام الحضارة الغربية، إلا التأثر بكلامهم، والاستجابة اللاواعية لهم، والركون إلى الواقع المأساوي، دون أي محاولة للنهوض، لذلك ينبغي عدم الالتفات للتضليل، والهزيمة النفسية التي يسوّق لها المنبطحون في أوساطنا كل يوم، وينبغي التصدي لهم، على الأقل بتجاهلهم، والتحذير منهم، ومقاطعتهم إعلامياً، حتى يعودوا إلى رشدهم، هذا إن كان فيهم اعتزاز بهويتهم الإسلامية.