تجربتي مع الثورة

blogs - شباب مصر
في الحقيقة لا أدري! هل كانت تجربتي صالحة أم سيئة ضارة غالبا أو ربما استفدت الكثير منها في مرحلة شبابي الأولى؛ ترعرعت ثمار حياتي بالفطرة الدينية السليمة من صوم وصلاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأمور تشبه ذلك كثيرا تعلمتها من أمي وأبي وأسرتي اللامنتمين لأحد. 
لم أفكر في تلك اللحظات أنه ستأتي ليلتى هذه وأكتب في مدونتكم تجربتي التي لا أعرف حتى الآن عنوانها، هل كانت مع الثورة أم مع الإخوان أم الثوار أم مع روحي وضميري. ربما تشتت في هذا الأمر ولكنني أعرف جيدا مضمون تلك التجربة المثيرة المتفائلة الطموحة المنتصرة التي أصبحت في خلال سبع سنوات مملة يائسة بائسة مهزومة من الجميع، حتى رفقائها الذين تخلوا عنها أو هي التي تخلت عنهم عندما تركتهم مقيدي الأيدي بين حيطان أربعة، مظلمة يتحسرون عليها وعلى ضياع أعمارهم بينها.

تفتحت حياتي مع الورود التي يقال عنها إنها فتحت في جناين مصر. شاب مثلي كمثل شباب نادت واستاءت من مئات المليارات الذين يملكهم الطيار والطبال وغيرهما. وأقسمنا ألا نمشي إلا أن يمشي هو. ونظرنا إلى أنفسنا فصرخت أحوالنا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

كنت أرى عواجيز الفكر وأصحاب الذقون والشعور الكثيفة وأصحاب اليمين واليسار الثوريين الاشتراكيين، وسميتهم الأصدقاء الأعداء. هم جميعا الآن في مكان ضيق ومظلم قضبانه حديد.

لم أكن ذلك الوقت وإلى الآن أيضا محللا سياسيا بارعا أو حتى أفكر بالخطط الاستراتيجية. ما كنت إلا شابا يعرف القليل ويتمنى الكثير لأسرته ولبلده ولدينه، وعندما تصادم الواقع مع ما أتمناه عندئذ عرفت الكثير.

أخبرتني عيناي بكل شيء رأته، أخبرتني أن الذي كان يظن بغباء منه أن يملك مفتاحا في جيبه المخروم من الأساس أنه لا يملك شيئا، وأن عواجيز الفكر الذين برروا لأنفسهم التنازل عن مبادئ الميدان مقابل مجالس البرلمان؛ هم يعيشون في وهم كانوا يتحججون به اسمه المسار الديمقراطي. وأن أصحاب الذقون الكثيفة الذين استماتوا من أجل مواد في الدستور باسم الشريعة ومبادئها هم الآن يعزفون ويطبلون وراء الراقصات في ملهى ليلي وينتهكون كل مبادئ الشريعة التي كانوا يمثلون الاستماتة من أجلها.

ودبابات هتفنا من أجلها ظنا منا أنها تحمينا انقلبت علينا، وتأكدنا بعد ذلك أنها لم تكن إلا لتعطينا الإشارة الخضراء قبل أن تدهسنا بمجنزراتها الثقيلة. وحركات أخرى وشباب آخرون بشعور كثيفة كانوا ينادون بمبادئ الميدان فتحولت المناداة من المبادئ إلى الانتقام والغل، وأرادوا سقوط أصدقائهم الذين لم يقفوا بجانبهم بالأمس، والشيء المدهش أنهم فضلوا الوقوف مع قاتلهم ضد من سكت على قتلهم. 

ورأيت أيضا أناسا ينتمون ولا منتمون يخلصون نيتهم لله والوطن يهتفون من أجل حرية الوطن لا حرية مصالحهم الشخصية ومناصبهم البرلمانية والحزبية. رأيت دماء يفوح منها عطر الكرامة، دماء تكتب تاريخ أبطال الثورة وترسم أحلام الوطن. يثورون على الحق ولا يبررون لأنفسهم وجماعتهم، متمسكون بحلم شهيد سبقهم، لا مغادرين الوطن سعيا لإكمال حياتهم التي فقدها غيرهم.

لا أريد إلا الوحدة والقوة والكرامة والحرية والعدالة والمساواة. فالمجتمع الآن يحتاج إلى وحدة تكمن في قوة تترجم على أرض الواقع في مقاومة لنظام غاشم.

ومنذ عدة شهور كنت أرى المشهد كاملا، فكنت أرى عواجيز الفكر وأصحاب الذقون والشعور الكثيفة وأصحاب اليمين واليسار الثوريين الاشتراكيين المنتمين واللامنتمين، وسميتهم الأصدقاء الأعداء. هم جميعا الآن في مكان واحد، مكان ضيق ومظلم قضبانه حديد، رأيتهم أحيانا مقيدين وتارة محررين. يتناقشون ويختلفون في أشياء قد تكون الأشياء نفسها التي اختلفوا فيها في ميدانها الواسع، ويتفقون في أمور قد اختلفوا واتفقوا فيها أيضا من قبل، فمنهم من يعترف بخطئه ويريد الوحدة، وآخر يبرر خطأه ويخون من ليس معه وليس على شاكلته تنظيميا وفكريا. تناقشت معهم فمنهم من ناقشني ومنهم من يريد مني تكميم فمي، وتقييد حريتي المقيدة، مثله عندي كمثل صاحب الدبابة لا أفرق بينهما.

فهم كانوا رفقاء أول أمس، وأصبحوا وما زالوا أمس، واليوم فرقا من وجهة نظري، لأنهم لا يبحثون إلا عن مطامعهم الشخصية ومناصبهم الرئاسية وخطتهم المربكة المنهكة التي نجحت في إفشال وترنح أنفسهم، ولا يعترفون إلا بالتبرير، ولا يريدون التوحد بحجة أنهم باعوها في ميدان ما قبل ذلك.

لا أريد الثرثرة كثيرا في ما رأته عيني وعينك، والله لا أريد إلا الوحدة والقوة والكرامة والحرية والعدالة والمساواة. فالمجتمع الآن يحتاج إلى وحدة تكمن في قوة تترجم على أرض الواقع في مقاومة لنظام غاشم قاتل منقلب لا يعرف سوى القيود والمشانق. فتوحدوا يقويكم الله على أعدائكم.