شعار قسم مدونات

الإنتاجية الفكرية كإشكالية للمثقف العربي

مدونات - القراءة
تكمن قيمة المثقف "أي مثقف" في إنتاجه وتكوينه لأفكار ومبادئ تتسق مع ما يؤمن به، وتراعي خصوصية مجتمعه وتراثه، فالفعل الحقيقي والبناء للمثقف يتمحور حول إنتاجيته ومساهمته في تكوين الذات المجتمعية كحالة واحديه، لها ماضيها ومنهجها الذي تؤمن به في تسيير وجودها ويتلاءم مع عقيدتها.

ينتقل المثقف من مرحلة إلى أخرى بالضرورة في إطار بحثه عن تعقيدات المجتمع الذي يقيم فيه وينتمي إليه، من مرحلة التشخيص للإشكالات القائمة، وهي عملية معقدة تستلزم دراسات انثروبولوجية وتاريخية ذات منهجية علمية دقيقة، إلى مرحلة تقديم الحلول لذلك التعقيد "أي الإنتاج الفكري الذي سيتأتى كنتاج للدراسات التشخيصية، باعتبار التشخيص لوحده ليس علاجاً شاملاً ولا يقدم إلا نصف الحل.

من هذه النقطة تتركز أهم إشكالية عند المثقف العربي بعد إشكالية التشخيص الدقيق، إشكالية الإنتاجية الفكرية والذي يقصد بها "عدم القدرة او العجز على إيجاد وتكوين فكراً خاصاً بمجتمع المثقف والباحث، وتخليق أفكار ورؤى وافتراضات ذات منهجية علمية تراعي خصوصية المجتمع وتشعيباته الماضوية واحداثه التاريخية، ومقدساته الدينية والموائمة بينها وبين مستجدات الواقع وضرورياته، وحداثة متطلباته".
 

لا يزال المثقف العربي مقولاتي الطرح، يستجلب الأفكار من الآخر ويستسهل تعقيدات مجتمعه، متأثرا بفكر الآخر إيجاباً أو سلباً بدون مقدرة حقيقية على وضع الإطار الفكري الخاص به.

كيف يوجد الفكر ؟ وما مدى صعوبته إيجاده؟ وكيف أن المثقف العربي غير منتج فكرياً؟ تساؤلات تطرح لحقيقة لم تناقش وهي لا إنتاجية المثقف العربي ومقولاتية افكاره.
 

يذهب هاشم صالح في كتابه الذي يحمل عنوان الانسداد التاريخي "لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي" بأن هناك انطباع شائع وربما وهمي أن الفكر موجود في كل مكان أو متوافر في كل البلدان. فحيثما يوجد بشر يوجد الفكر، في الواقع أن الفكر أكثر ندرة مما نتوقع وطبعا لا اقصد بالفكر الحد الأدنى من التفكير على كافة الأصعدة فكل البشر يديرون حياتهم.

أما الفكر فالمقصود فيه انبثاق تصور جديد للأشياء، أو انهيار تصور سابق. فهو إيذانا ببداية مرحلة ونهاية أخرى فالفكر إذن ليس بتلك البساطة التي نتوقعها ولا بالوفرة التي يتخيلها المثقف العربي، إذ لا يمكن استعارته من الآخر أو نقل تجربته بحكم نجاحها في بيئته وادعاء صلاحيتها لكل مجتمع وفي كل مكان، فهذه إطلاقية ركيكة الحجة لم تعد لها في عالم الأفكار والرؤى اليوم قيمة، ولا تلقى استجابة من اي مثقف يحترم ثقافته وفكره.

تظل حقيقة المثقف العربي ثابتة، في أنه غير قادر على الابتكار الفكري، يراوح مكانه حاملاً للطابع الشكلي لصفة التثقف، مسطحاً لإشكالات محيطة مسبغاً عليها نفس الطابع لدى المجتمعات الأخرى، او مُحيلها للمجتمع، إذ لم يرتقي للمثقف الحقيقي والخلاق كما ذهب في ذلك الكثير من المفكرين العرب، مثقف يتجاوز الواقع مرحلاً لحقائق الاختلاف بين المجتمعات.

مستندا في آراؤه وأفكاره لمعظم الأفكار الغربية التي تعد ملك حضارة أخرى، وليس في ذلك منقصة أو تقليل من قيمة فكر الآخر الغربي، بل بمدى اتساقها مع بيئة غير بيئتها وكيف أن محاولة الإعتماد فقط عليها أنتج مثقف خاملاً بالمعنى الكيميائي غير قادر على إنتاج الجديد، وبلورة حلول للإشكاليات او حتى الاستفادة من الآخر لتقديم مفهومية لمصطلحات وأفكار خاصة بذات بيئته ومجتمعه وماضيه.

أضحت مقولات الآخر الغربي المقياس الحقيقي لإسقاط صفة التثقف على شخص من عدمها إذ يحرص المثقف العربي على تسيير فكره وثقافته في طريق مقولات مفكرون الغرب ورؤاهم إذ صاروا مظلة لكثير من المثقفين العرب ولعل أوسع مظلة يحتمي بها المثقف العربي بحسب محمد الأمين بحري هي مظلة هايدجر وأطروحاته، مظلة واسعة أتاحت للمثقف العربي التحرك لكن في الإطار ذاته، تقية أشياء او تنجده في الحالات النقاشية، لكنه يبقى خاضعاً تحت قوة ادعائها ومقولاتها وبيئتها.
 

إذ أن المثقف الذي يفترض أنه تجاوز حالة الجهل الفكري السائدة في بنية العقل العربي، ما يزال قابعاً في أقبية الإنتاجية الفكرية، وعدم القدرة على ابتكار البدائل لكل ما يدرسه عن الآخر الغربي، فبدلاً من نقد الفكر القادم وخلق فكراً وتكييفه مع البيئة العربية ومجتمعاتها التي ما زالت في غمرة الماضي والحنين إليه، دعي المثقف المجتمعات العربية إلى القفز فوق الماضي والتراث بدون أي مراعاة لحقيقة أن الماضي وتراثه والتاريخ واحداثه يعدان تاريخ الإنسان ذاته، فلا يستطيع أن يخلع الإنسان ردائه التاريخي بتلك البساطة التي يتخيلها المثقف.
 

تظل حقيقة المثقف العربي ثابتة، في أنه غير قادر على الابتكار الفكري، يراوح مكانه حاملاً للطابع الشكلي لصفة التثقف، مسطحاً لإشكالات محيطة مسبغاً عليها نفس الطابع لدى المجتمعات الأخرى.

لا يزال المثقف العربي مقولاتي الطرح، يستجلب الأفكار من الآخر ويستسهل تعقيدات مجتمعه، متأثرا بفكر الآخر إيجاباً او سلباً بدون مقدرة حقيقية على وضع الإطار الفكري الخاص به وبمجتمعه، مهملاً لحقيقة فحواها أن الأفكار مهما كانت صوابيتها من عدمها تعد بلا قيمة فعلية، ولا تساوي شيئاً، إذا لم يتم استيعابها من قبل المجتمع المراد غرس الأفكار هذه بين افرداه.
 

يصبح المثقف في هذه الحالة غير مدرك لقيمة وجوده والتي يعد الإنتاج الفكري أساسها، متنقلاً في الأفكار والرؤى التي هي نتاج لبيئة أخرى غير بيئته، موجداً بذلك حالة من التثبيط والتردي أكثر منها في حالة عدم وجوده "المثقف"، إذ أن الشعور بفقدان وجود المثقف يخلق لدى المجتمع رغبة في إيجاده ويعمل على القيام على إحداث تغيير في بُناه ورؤاه لخلق المثقف من نفس البيئة.

أما في حالة وجود المثقف بسطحيته ولاإنتاجيته الفكرية يرسل قناعة للمجتمع بصعوبة الإشكاليات وتعقيدها، لدرجة عجز عنها المثقف وركونه لحلها عبر استجلاب الأفكار من الآخر الأوروبي وتنبيت قناعة في أوساط المجتمعات العربية فحواها أن السبب الأساس لحالة التخلف مبهم ومستعصي على الحل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.