وتبقى عالقة في الانتظار

blogs زوجة الأسير

على ناصية الوجع، تفتتح يومها، تُناظر عيناه تلكَ الصورة المستوطنة زاوية غرفتهما، تسأله عن حاله، فيبعثُ إلى قلبها سيلاً من الحنين، وينفضُ فيها أشواقاً تُربك نبضاتها، وتبعثُ على لسانها كلمات الحب تترى، لتعود تسقط في مسافات الزمن التي سُلبت منهما، تُلملم ذكرياتها وتُمضي يومها تغرس في روحها أملاً قريباً في اللقاء.

أنظرُ إليها، وقلبي يكتبُ عناويناً جمة عن صمودها وثباتها، صبرها، تفاصيل حياتها التي تُمضيها بلا أنيسٍ يُجمّل وحدتها، ولا رفيق يطبطبُ على قلبها، ولا سندٍ يخفف أعباء الحياة عنها، تتعارك مع ألمها، تكابد النهار وتغرقُ في ذكرياتها ليلاً، يشتعلُ قلبها شوقاً إليه، فتنبشُ عن ضحكةٍ منحها إياها في لحظةٍ ضيق قبل سعادة، وتستذكر ضمة أراحت فؤادها حينما سقطت دمعة، فتجدد عهدها مع طيفه الساكن في ربوع قلبها، وتُجاهدُه على الوفاء أكثر، فأمضي في سبيلي وتبقي هيَ عالقة في رجاءها بلقائه.

تلكَ المُثابرة، لم تُمضِ أيامها في شطبِ ما يسقط من الأيام على "الرزنامة" المُعلّقة على الحائط منتظرةً فقط، هي اختارت طريق البقاء إلى جواره رغم مؤبدات الموتِ التي نطق بها الطاغوت ضده، ربتت على كتفه وأعلنتْ جهاد الحياة إلى جواره حتى النهاية، تتفانى في الإخلاصِ إليه، وفي القرب من أهله، تحفظه في صدرها حين السكون والسفر، تتحملُ عناء الزمن ووحشة الطريق.

كثيراتٌ هن اللواتي يختبرهن القدر بأزواجهن، فيقع عليهن خوض مرحلة التحدي والثبات؛ كي لا يشمت بها عدواً، تتسلح بعزيمة متينة كي تشقّ الطريق، وتجتاز صعوباته، تستعد لأن تربتُ على كتف فتاها حين النجاح، وتزف فتاتها حين الزواج، أباً وأماً في كل لحظة

تتغافل عن استفزاز السجّان وظُلمه، تصمتُ عن قهره اللعين، وتفنّنه في النيل من إرادتها، تحمل في طياتِ ملابسها ما يحتاجه الحبيب لإرسال صوته إليهم، أو تغرسه في ربطة شعرها، وتخوض عالماً خطراً من أجله، يسألها الضابط بكل غضب عمّا تحمله، فتجيبه قطعة بلاتينية في العظم جراء عملية جراحية، تهضم الظروف القاسية، وتُخرس ارتباك نبضاتها، تنتظر الساعات كي يُسمح لها بخمسة دقائق تستريح فيه بعينه، وتفتح كتاب قلبها أمامه ليتصفحه كلمة كلمة، وتستقى من كلماته شراب الحب، لتروي جفاء السنين، ويا ليت الزمان يقفُ عند لحظة اللقاء ولا يمضي.

كثيراتٌ هن اللواتي يختبرهن القدر بأزواجهن، فيقع عليهن خوض مرحلة التحدي والثبات؛ كي لا يشمت بها عدواً، تتسلح بعزيمة متينة كي تشقّ الطريق، وتجتاز صعوباته، تستعد لأن تربتُ على كتف فتاها حين النجاح، وتزف فتاتها حين الزواج، أباً وأماً في كل لحظة، تؤدي واجباتها وتجاهد الوقت لتؤدي مهام زوجها الغائب قسراً، تغرسَ في أطفالها حباً، وتلقنهم دروس العشق للعقيدة والوطن، وتنحت في ذاكرة أبناءها تمثالاً لوالدهم، فتمنحهم الفخر والقوة، وتوصيهم بالانتفاض في وجه الظلم أياً كان ومهما طال.

زوجة الأسير، يعني أن تُنظف، وتُربي، وتعلم، تُصلح، وتشتري، وتحاسب، تزور، تُجامل القريب والبعيد، وفي كثيرٍ من الأحيان تعمل لتوفير لقمة عيش كريمة لأبنائها، تراقب وتصحح المسار، وتعين الجميع على المُضي في تحقيق أحلامهم، تحاول أن تؤدي كل الأمورِ على أكمل وجه من غير نقصٍ أو تقصير، ليتآكل عُمرها وهي على عتبة الانتظار، والنبض لا يرتجي سوى أن يجمع الله روح الشتيتين تحت سقفٍ واحد.


تجاهد الحياة، وتحاول الحفاظ على عقلها الذي لا يغيب عنه صورة زوجها في الأسر، هل يعاقب، يُضرب، يُظلم، يحرمُ من الطعام، يُمنع من الزيارات، يحظر عليه التعلم، يُلقى في العزل وحيداً، لتستيقظ بابتسامةً واثقة كي يستمد الأبناء منها الأمل في الحياة، وحينما تتلاقى مع رفيقها تمنحه المزيد من الدعم النفسي والمعنوي، كي ينتصر على محنته بقلبٍ عامرٌ بالصبر والاحتساب، ثم تعود من بعد ذلك لتحمل الأوجاع والحنين، وفقدان السندِ والأمان.

مازالت زوجات الأسرى يغرسن الأمل في أرواحهن، لينمو مع كل يوم تدب فيهن الحياة، يسابقهن اليقين بالله، والايمان بسواعد المقاومين أن يصنعوا شيئاً فريداً كما صنعوا قبل ذلك، ويحققوا صفقةً تُفرج فيها عن أرواحهن داخل زنازين الاحتلال

ولستُ أدري أيُ مرارة تلك التي تتعاظم في قلبها مع كل يوم، ومع ذلك تُظهر جَلداً كي لا تسقط، فما أصعب أن تجهل مصير من تُحبه داخل الأسر، وهي تدرك أنه يعاني الموت في كل لحظاته، يمرض فيذوب جسده وما من دواءٍ يشفي علته، يقتاتُ الألم على صحته، فتخور قواه وما خارَ الأمل في صدره بالحرّية، تسمع صوته يناديها وهي بعيدة الزمان والمكان، قريبة الروح والفؤاد، فتضع يدها على صدرها، وتجيبه بالدعاء.

زوجات الأسرى، هنُ مناضلات يُمهّدن الطريق لأزواجهن للسير في درب الجهاد، والرصيد الأكبر في صمودهم داخل القضبان، وهُن أكثر الفئات اللاتي تحتاجُ إلى دعم المجتمع من حولهن، وتعزيز مساندتهن وتقويتهن على تحمل مسؤولياتهن الكبيرة، كي يواجهن ضغوطات الحياة، ويجابهن صعوبتها بملء الإرادة والثبات، هنّ مكافحاتُ في الحياة، وخنساوات هذا العصر.

ومازالت زوجات الأسرى يغرسن الأمل في أرواحهن، لينمو مع كل يوم تدب فيهن الحياة، يسابقهن اليقين بالله، والايمان بسواعد المقاومين أن يصنعوا شيئاً فريداً كما صنعوا قبل ذلك، ويحققوا صفقةً تُفرج فيها عن أرواحهن داخل زنازين الاحتلال، لينتصر الحب ويُطوي الانتظار على عتبة اللقاء، فيوهبوا ميلاداً جديداً، فهل يا ترى من فرجٍ قريب!